والعقل الواحد ربما يخطئ في الشيء الواحد ، حسب ما ذكرنا ، لا سيما إذا لم يتدبّر الرأي الذي يعتقده مرارا ، ولم ينظر فيه بعين التفتيش والمعاندة . وان حسن الظنّ بالشيء أو الاهمال في البحث ، قد يغطي ، ويعمي ، ويخيّل . واما العقول المختلفة ، إذا اتفقت ، بعد تأمّل منها ، وتدرّب ، وبحث ، وتنقير « 19 » ومعاندة ، وتبكيت ، وإثارة الأماكن المتقابلة ، فلا شيء اصحّ مما اعتقدته ، وشهدت به ، واتفقت عليه . ونحن نجد الألسنة المختلفة متفقة « 20 » بتقديم هذين الحكيمين ؛ وفي التفلسف بهما « 21 » تضرب الأمثال ؛ واليهما يساق « 22 » الاعتبار ؛ وعندهما يتناهى الوصف بالحكم العميقة والعلوم اللطيفة ، والاستنباطات العجيبة ، والغوص في المعاني الدقيقة المؤدية في كل شيء إلى المحض والحقيقة . وإذا كان هذا هكذا ، فقد بقي ان يكون في معرفة الظانّين بهما ان بينهما خلافا في الأصول ، تقصير . وينبغي ان تعلم أن ما من « 23 » ظن يخطأ ، أو سبب يغلط ، الّا وله داع اليه ، وباعث عليه . ونحن نبين في هذه المواضع بعض الأسباب الداعية إلى الظنّ بان بين الحكيمين خلافا في الأصول ؛ ثم نتبع ذلك بالجمع بين رأييهما .
( 5 ) لا يجوز الحكم بالكل عند استقراء الجزئيات
اعلم ، ان مما هو متأكد في الطبائع - بحيث لا تقلع عنه ( الطبائع ) ولا يمكن خلوها عنه ، والتبرؤ منه في العلوم والآراء والاعتقادات ، وفي أسباب النواميس والشرائع ، وكذلك في المعاشرات المدنية والمعائش - هو الحكم بالكلّ عند استقراء الجزئيات : اما في الطبيعيات ، فمثل حكمنا بان كل حجر يرسب في الماء ، ولعل بعض الأحجار يطفو ؛ وان كل نبات محترق بالنار ، ولعل بعضها لا يحترق بالنار « 24 » ؛ وان جرم الكل متناه ، ولعله غير متناه . وفي الشرعيات ، مثل ان كل من شوهد فعل الخير منه على أكثر الأحوال ، فهو عدل ، صادق الشهادة في كثير من الأشياء ، من غير أن يشاهد « 25 » جميع أحواله . [ وفي المعاشرات ، مثل السكون والطمأنينة اللتين