( 3 ) طريقة أرسطو في معالجة هذه العلوم : استخدام البرهان والقياس
غير أنه ، لما وجد أفلاطون قد « 10 » احكمها ، وبيّنها ، واتقنها ، وأوضحها ، اهتمّ « 11 » أرسطاطاليس باحتمال الكدّ واعمال الجهد في انشاء طريق القياس ؛ وشرع في بيانه وتهذيبه ، ليستعمل القياس والبرهان في جزء جزء مما توجبه القسمة ، ليكون كالتابع والمتمّم والمساعد والناصح . ومن تدرب في علم المنطق ، واحكم علم الآداب الخلقية ، ثم شرع في الطبيعيات والإلهيات ، ودرس كتب هذين الحكيمين ، يتبيّن له مصداق ما أقوله ، حيث يجدهما قد قصدا تدوين العلوم بموجودات العالم ، واجتهدا « 12 » في ايضاح أحوالها على ما هي عليه « 13 » ، من غير قصد منهما لاختراع ، واغراب ، وابداع ، وزخرفة ، وتشويق « 14 » ؛ بل لتوفية كل منهما قسطه ونصيبه ، بحسب الوسع والطاقة . وإذا كان ذلك كذلك ، فالحد الذي قيل في الفلسفة ، انها العلم بالموجودات بما هي موجودة ، حد صحيح ، يبين عن ذات المحدود ويدلّ على ماهيته .
( 4 ) الاجماع حجة ، لا سيما إذا كان اجماع العقلاء
فأما ان يكون رأي الجميع أو الأكثرين ، واعتقادهم في هذين الحكيمين انهما المنظوران والامامان المبرّزان في هذه الصناعة ، سخيفا مدخولا ؛ فذلك بعيد عن قبول العقل ايّاه واذعانه له ؛ إذ الموجود « 15 » يشهد بضدّه . لأنا نعلم يقينا انه ليس شيء من الحجج أقوى وانفع واحكم من شهادات المعارف المختلفة بالشيء الواحد ، واجتماع الآراء الكثيرة ، إذ العقل ، عند الجميع ، حجّة . ولا جل ان ذا العقل ربما يخيّل اليه الشيء بعد الشيء ، على خلاف ما هو عليه ، من جهة تشابه العلامات المستدلّ بها على حال الشيء ، احتيج « 16 » إلى اجتماع عقول كثيرة مختلفة . فمهما اجتمعت ، فلا حجّة أقوى ، ولا يقين احكم من ذلك . ثم لا « 17 » يغرّنك وجود أناس كثيرة على آراء مدخولة ؛ فانّ الجماعة المقلّدين لرأي واحد ، المدّعين لامام يؤمّهم « 18 » فيما اجتمعوا عليه ، بمنزلة عقل واحد ،