حدّهما في أنفسنا محدود ، انما منه استدلالات من غير أن يشاهد في جميع أحواله ] « 26 » . ولما كان امر هذه القضية على ما وصفناه من استحكامه واستيلائه على الطبائع ، ثم وجد أفلاطون وارسطوطاليس ، وبينهما في السير والافعال ، وكثير « 27 » من الأقوال ، خلاف ظاهر ، فكيف يضبط الوهم معهما بتوهم وتحكم بالخلاف الكلّي بينهما ؛ مع سوق « 28 » الوهم إلى القول والفعل جميعا تابعين للاعتقاد ؛ ولا سيما حيث لا مراء فيه ولا احتشام ، مع تمادي المدة ؟ * * *
بحث أوجه الاختلاف
أولا - طريقة حياة أفلاطون تختلف عن طريقة حياة أرسطو
ثم ، من افعالهما المباينة ، وسيرهما المختلفة ، تخلّي أفلاطون من كثير « 29 » من الأسباب الدنيوية ، ورفضه لها ، وتحذيره في كثير من أقاويله عنها ، وايثاره تجنبها ؛ وملابسة ارسطوطاليس لما كان يهجر أفلاطون ، حتى « 30 » استولى على كثير من الاملاك وتزوّج ، وأولد ، وتوزّر للملك الإسكندر ، وحوى من الأسباب الدنيوية ما لا يخفى على من اعتنى بدرس كتب اخبار المتقدمين . فظاهر هذا الشأن يوجب الظنّ بأنّ بين الاعتقادين خلافا في امر الدارين . وليس الامر كذلك ، في الحقيقة : فان أفلاطون هو الذي دوّن السياسات ، وهذبها « 31 » ، وبيّن السير العادلة ، والعشرة الأنسية المدنية ، وابان عن فضائلها ، واظهر الفساد العارض لأفعال من هجر العشرة المدنية ، وترك التعاون فيها . ومقالاته ، فيما ذكرناه ، مشهورة ، يتدارسها الأمم المختلفة من لدن زمانه إلى عصرنا هذا . غير انّه ، لما رأى امر النفس وتقويمها اوّل ما يبتدئ به الانسان ، حتى إذا احكم تعديلها وتقويمها ، ارتقى منها إلى تقويم غيرها ؛ ثم ، لم يجد في نفسه من القوة ما يمكنه الفراغ مما يهمّه من امرها ، افنى أيامه في اهمّ الواجبات عليه ، عازما على أنه ، متى فرغ من الاهمّ الأولي ، اقبل على الأقرب الأدنى ، حسب ما أوصى به في مقالاته في « السياسات والاخلاق » .