تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 5426

مساهمون:

ص٥٤٢٦
اللّه لنقتلنّه ؛ فإنّك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيّان : الأوس والخزرج « 1 » حتّى همّوا أن يقتتلوا - ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر - فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت . قالت : وبكيت يومي ذلك . لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . ثمّ بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي - استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي . قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فسلّم ثمّ جلس . قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل . وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء . قالت : فتشهّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين جلس ، ثمّ قال : « أمّا بعد . يا عائشة ، فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة فسيبرّئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه ؛ فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثمّ تاب تاب اللّه عليه » قالت : فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالته ، قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرة . فقلت لأبي : أجب عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما قال . فقال : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقلت لأمّي : أجيبي عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقالت : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقلت - وأنا جارية حديثة السّنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن - إنّي واللّه لقد عرفت أنّكم قد سمعتم بهذا حتّى استقرّ في نفوسكم وصدّقتم به . فإن قلت لكم إنّي بريئة - واللّه يعلم أنّي بريئة - لا تصدّقوني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر - واللّه يعلم أنّي بريئة - لتصدّقونني . وإنّي واللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
( يوسف / 18 ) . قالت : ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي . قالت : وأنا واللّه حينئذ أعلم أنّي بريئة ، وأنّ اللّه مبرّئي ببراءتي . ولكن واللّه ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم اللّه - عزّ وجلّ - فيّ بأمر يتلى ، ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النّوم رؤيا يبرّئني اللّه بها . قالت : فو اللّه ما رام « 2 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد حتّى أنزل اللّه - عزّ وجلّ - على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء « 3 » عند الوحي حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان « 4 » من العرق في اليوم الشّات من ثقل القول الّذي أنزل عليه . قالت : فلمّا سرّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يضحك - فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال : « أبشري يا عائشة ! أمّا اللّه فقد برّأك » فقالت لي أمّي : قومي إليه . فقلت : واللّه لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلّا اللّه ؛ هو الّذي أنزل براءتي . قالت : فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
( النور / 11 ) عشر آيات . فأنزل اللّه - عزّ وجلّ - هؤلاء الآيات
هامش
( 1 ) فثار الحيان الأوس والخزرج : أي تناهضوا للنزاع والعصبية . ( 2 ) ما رام : أي ما فارق . ( 3 ) البرحاء : هي الشدة . ( 4 ) الجمان : الدر . شبهت قطرات عرقه صلّى اللّه عليه وسلّم بحبات اللؤلؤ في الصفاء والحسن .