تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 5263

مساهمون:

ص٥٢٦٣
جهة الاعتقاد والرّأي ، وهو متحرّ للصّدق فهذا لا يردّ خبره ولا شهادته . وأمّا من فسقه من جهة الكذب ، فإن كثر منه وتكرّر بحيث يغلب كذبه على صدقه ، فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته ، وإن ندر منه مرّة أو مرّتين ، ففي ردّ شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء ، وهما روايتان عن الإمام أحمد - رحمه اللّه - . والفسوق الّذي تجب التّوبة منه أعمّ من الفسوق الّذي تردّ به الرّواية والشّهادة . وكلامنا الآن فيما تجب التّوبة منه وهو قسمان : فسق من جهة العمل ، وفسق من جهة الاعتقاد . ففسق العمل نوعان : مقرون بالعصيان ، ومفرد . فالمقرون بالعصيان : هو ارتكاب ما نهى اللّه عنه ، والعصيان : هو عصيان أمره . كما قال اللّه تعالى :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ
( التحريم / 6 ) ، وقال موسى لأخيه هارون - عليهما السّلام - :
ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( طه / 92 - 93 ) ، وقال الشّاعر :
أمرتك أمرا جازما فعصيتني * فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
فالفسق أخصّ بارتكاب النّهي ، ولهذا يطلق عليه كثيرا . كقوله تعالى :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
( الحجرات / 6 ) ، والمعصية أخصّ بمخالفة الأمر كما تقدّم . ويطلق كلّ منهما على صاحبه كقوله تعالى :
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
( الكهف / 50 ) ، فسمّى مخالفته للأمر فسقا ، وقال :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
( طه / 121 ) ، فسمّى ارتكابه للنّهي معصية ، فهذا عند الإفراد ، فإذا اقترنا كان أحدهما لمخالفة الأمر والآخر لمخالفة النّهي . والتّقوى اتّقاء مجموع الأمرين ، وبتحقيقها تصحّ التّوبة من الفسوق والعصيان بأن يعمل العبد بطاعة اللّه على نور من اللّه ، ويرجو ثواب اللّه ، ويترك معصية اللّه ، على نور من اللّه ، يخاف عقاب اللّه . وفسق الاعتقاد : كفسق أهل البدع الّذين يؤمنون باللّه ورسوله واليوم الآخر ويحرّمون ما حرّم اللّه ، ويوجبون ما أوجب اللّه ، ولكن ينفون كثيرا ممّا أثبت اللّه ورسوله ، جهلا وتأويلا ، وتقليدا للشّيوخ ، ويثبتون ما لم يثبته اللّه ورسوله كذلك . وهؤلاء كالخوارج المارقة ، وكثير من الرّوافض ، والقدريّة ، والمعتزلة ، وكثير من الجهميّة الّذين ليسوا غلاة في التّجهّم . وأمّا غالية الجهميّة فكغلاة الرّافضة ، ليس للطّائفتين في الإسلام نصيب « 1 » .

الفسوق في القرآن الكريم :

ورد لفظ الفسوق في القرآن الكريم على وجوه : 1 - بمعنى الكفر : ومنه قوله تعالى في سورة السّجدة / 18 - 20 :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ
هامش
( 1 ) مدارج السالكين ( 1 / 389 - 393 ) .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 5263 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح