أنّها كبيرة : لكنّها تختلف عظما وضدّه بحسب اختلاف مفسدتها . وقد جعلها من أوتي جوامع الكلم عديلة غصب المال ، وقتل النّفس بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كلّ المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه » والغصب والقتل كبيرتان إجماعا ، فكذا ثلم العرض « 1 » .
علاج الغيبة :
إنّ الغيبة مرض خطير ، وداء فتّاك ، ومعول هدّام ، وسلوك يفرّق بين الأحباب ، وبهتان يغطّي على محاسن الآخرين ، وبذرة تنبت شرورا بين المجتمع المسلم ، وتقلب موازين العدالة والإنصاف إلى الكذب والجور ، وعلاج هذا المرض لا يكون إلّا بالعلم والعمل ، فإذا عرف المغتاب أنّه تعرّض لسخط اللّه يوم القيامة بإحباط عمله وإعطاء حسناته من يغتابه أو يحمل عنه أوزاره ، وأنّه يتعرّض لهجوم من يغتابه في الدّنيا ، وقد يسلّطه اللّه عليه ، إذا علم هذا وعمل بمقتضاه من خير فقد وفّق للعلاج .
هل تحل الغيبة في بعض الأحيان ؟
قال النّوويّ - رحمه اللّه - :
اعلم أنّ الغيبة تباح لغرض صحيح شرعيّ لا يمكن الوصول إليه إلّا بها ، وهو ستّة أسباب :
الأوّل : المتظلّم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلّم إلى السّلطان والقاضي وغيرهما ممّن له ولاية ، أو قدرة على إنصافه من ظالمه ، فيقول : ظلمني فلان بكذا .
الثّاني : الاستعانة على تغيير المنكر ، وردّ العاصي إلى الصّواب ، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر : فلان يعمل كذا ، فازجره عنه ونحو ذلك ، ويكون مقصوده التّوصّل إلى إزالة المنكر ، فإن لم يقصد ذلك كان حراما .
الثّالث : الاستفتاء ، فيقول للمفتي : ظلمني أبي ، أو أخي ، أو زوجي ، أو فلان بكذا ، فهل له ذلك ؟
وما طريقي في الخلاص منه ، وتحصيل حقّي ، ودفع الظّلم ؟ ونحو ذلك ، فهذا جائز للحاجة ، ولكنّ الأحوط والأفضل أن يقول : ما تقول في رجل أو شخص ، أو زوج ، كان من أمره كذا ؟ فإنّه يحصل به الغرض من غير تعيين ، ومع ذلك ، فالتّعيين جائز .
الرّابع : تحذير المسلمين من الشّرّ ونصيحتهم .
وذلك من وجوه :
منها : جرح المجروحين من الرّواة والشّهود ، وذلك جائز بإجماع المسلمين ، بل واجب للحاجة .
ومنها : المشاورة في مصاهرة إنسان ، أو مشاركته ، أو إيداعه ، أو معاملته ، أو غير ذلك ، أو مجاورته ، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله ، بل يذكر المساوىء الّتي فيه بنيّة النّصيحة .
ومنها : إذا رأى متفقّها يتردّد إلى مبتدع ، أو فاسق يأخذ عنه العلم ، وخاف أن يتضرّر المتفقّه بذلك ، فعليه نصيحته ببيان حاله ، بشرط أن يقصد النّصيحة ، وهذا ممّا يغلط فيه . وقد يحمل المتكلّم بذلك الحسد ، ويلبّس الشّيطان عليه ذلك ، ويخيّل إليه
هامش
( 1 ) الزواجر ( 371 ) .