تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 5124

مساهمون:

ص٥١٢٤
ما رضي به القوم لأنفسهم ، فإنّهم على علم وقفوا ، وببصر نافذ كفوا ، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى ، وبفضل ما كانوا فيه أولى ، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه . ولئن قلتم : « إنّما حدث بعدهم » . ما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم ، ورغب بنفسه عنهم ؛ فإنّهم هم السّابقون ، فقد تكلّموا فيه بما يكفي ، ووصفوا منه ما يشفي ، فما دونهم من مقصر ، وما فوقهم من محسر ، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا ، وإنّهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم . كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير - بإذن اللّه - وقعت ، ما أعلم ما أحدث النّاس من محدثة ، ولا ابتدعوا من بدعة ، هي أبين أثرا ، ولا أثبت أمرا ، من الإقرار بالقدر ، لقد كان ذكره في الجاهليّة الجهلاء ، يتكلّمون به في كلامهم ، وفي شعرهم ، يعزّون به أنفسهم على ما فاتهم ، ثمّ لم يزده الإسلام بعد إلّا شدّة ، ولقد ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غير حديث ولا حديثين ، وقد سمعه منه المسلمون ، فتكلّموا به في حياته وبعد وفاته ، يقينا وتسليما لربّهم ، وتضعيفا لأنفسهم ، أن يكون شيء لم يحط به علمه ، ولم يحصه كتابه ، ولم يمض فيه قدره ، وأنّه مع ذلك لفي محكم كتابه : منه اقتبسوه ، ومنه تعلّموه . ولئن قلتم : لم أنزل اللّه آية كذا ؟ ولم قال : كذا ؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم ، وقالوا بعد ذلك : كلّه بكتاب وقدر ، وكتبت الشّقاوة وما يقدّر يكن ، وما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولا نملك لأنفسنا ضرّا ولا نفعا ، ثمّ رغبوا بعد ذلك ورهبوا » ) * « 1 » . 13 - * ( قال عبّاد بن عبّاد الخوّاص الشّاميّ رحمه اللّه تعالى - : « اعقلوا ، فالعقل نعمة ، فربّ ذي عقل قد شغل قلبه بالتّعمّق فيما هو عليه ضرر عن الانتفاع بما يحتاج إليه حتّى صار عن ذلك ساهيا ، ومن فضل عقل المرء ، ترك النّظر فيما لا نظر فيه . حتّى يكون فضل عقله وبالا عليه في ترك مناقشة من هو دونه في الأعمال الصّالحة ، أو رجل شغل قلبه ببدعة قلّد فيها دينه رجالا دون أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو اكتفى برأيه فيما لا يرى الهدى إلّا فيها ، ولا يرى الضّلالة إلّا تركها بزعم أنّه أخذها من القرآن ، وهو يدعو إلى فراق القرآن ، أفما كان للقرآن حملة قبله وقبل أصحابه يعملون بمحكمه ، ويؤمنون بمتشابهه ؟ وكانوا منه على منار أوضح الطّريق وكان القرآن إمام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إماما لأصحابه ، وكان أصحابه أئمّة لمن بعدهم ، رجال معروفون ، منسوبون في البلدان ، متّفقون في الرّد على أصحاب الأهواء مع ما كان بينهم من الاختلاف ، وتسكّع أصحاب الأهواء برأيهم في سبل مختلفة ، جائرة عن القصد ، مفارقة للصّراط المستقيم ، فتوّهت بهم أدلّاؤهم في مهامه مضلّة ، فأمعنوا فيها متعسّفين في هيآتهم ، كلّما أحدث لهم الشّيطان بدعة في ضلالتهم انتقلوا منها إلى غيرها ، لأنّهم لم يطلبوا أثر السّالفين ، ولم يقتدوا
هامش
( 1 ) أبو داود ( 4612 ) ، وقال الألباني : صحيح الإسناد ( 3 / 873 ) .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 5124 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح