تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2506

مساهمون:

ص٢٥٠٦
فغزاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حرّ شديد . واستقبل سفرا بعيدا ومفازا « 1 » . واستقبل عدوّا كثيرا . فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم . فأخبرهم بوجههم الّذي يريد . والمسلمون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كثير . ولا يجمعهم كتاب حافظ ( يريد بذلك الدّيوان ) . قال كعب : فقلّ رجل يريد أن يتغيّب ، يظنّ أنّ ذلك سيخفى له ، ما لم ينزل فيه وحي من اللّه - عزّ وجلّ - وغزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الغزوة حين طابت الثّمار والظّلال . فأنا إليها أصعر « 2 » . فتجهّز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون معه . وطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم . فأرجع ولم أقض شيئا . وأقول في نفسي : أنا قادر على ذلك ، إذا أردت . فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى استمرّ بالنّاس الجدّ . فأصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غاديا والمسلمون معه . ولم أقض من جهازي شيئا . ثمّ غدوت فرجعت ولم أقض شيئا . فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى أسرعوا وتفارط « 3 » الغزو . فهممت أن أرتحل فأدركهم . فياليتني فعلت ، ثمّ لم يقدّر ذلك لي . فطفقت إذا خرجت في النّاس ، بعد خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحزنني أنّي لا أرى لي أسوة . إلّا رجلا مغموصا « 4 » عليه في النّفاق . أو رجلا ممّن عذر اللّه من الضّعفاء . ولم يذكرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى بلغ تبوكا « 5 » فقال ، وهو جالس في القوم بتبوك : « ما فعل كعب بن مالك ؟ » . قال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه ! حبسه برداه والنّظر في عطفيه « 6 » . فقال له معاذ بن جبل : بئس ما قلت . واللّه ! يا رسول اللّه ! ما علمنا عليه إلّا خيرا . فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فبينما فهو على ذلك رأى رجلا مبيّضا « 7 » يزول به « 8 » السّراب ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كن أبا خيثمة » . فإذا هو أبو خيثمة الأنصاريّ . وهو الّذي تصدّق بصاع التّمر حين لمزه « 9 » المنافقون . فقال كعب بن مالك : فلمّا بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجّه قافلا من تبوك ، حضرني بثّي « 10 » ، فطفقت أتذكّر الكذب ، وأقول : بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي . فلمّا قيل لي : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أظلّ قادما ، زاح عنّي الباطل ، حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا . فأجمعت صدقه « 11 » . وصبّح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قادما . وكان إذا قدم من سفر ، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين . ثمّ جلس للنّاس ، فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا . فقبل منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علانيتهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ، حتّى جئت ، فلمّا سلّمت ، تبسّم تبسّم المغضب ، ثمّ قال : « تعال » . فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه . فقال
هامش
( 1 ) مفازا : أي برية طويلة قليلة الماء . يخاف فيها الهلاك . ( 2 ) أصعر : أميل . ( 3 ) تفارط : أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا . ( 4 ) مغموصا : متهما به . ( 5 ) تبوكا : بالتنوين ، وكأنه صرفها لإرادة الموقع دون البقعة . ( 6 ) عطفيه : جانبيه وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه . ( 7 ) مبيّضا : لابس البياض . ( 8 ) يزول به : يتحرك به . ( 9 ) لمزه : عابوه واحتقروه . ( 10 ) بثّي : البث هو أشد الحزن . ( 11 ) أجمعت صدقه : أي عزمت عليه .