تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2507

مساهمون:

ص٢٥٠٧
لي : « ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ » . قال : قلت يا رسول اللّه ! إنّي ، واللّه ! لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا ، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر . ولقد أعطيت جدلا « 1 » . ولكنّي ، واللّه ! لقد علمت ، لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ، ليوشكنّ اللّه أن يسخطك عليّ . ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه « 2 » ، إنّي لأرجو فيه عقبى اللّه « 3 » . واللّه ! ما كان لي عذر . واللّه ! ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمّا هذا فقد صدق . فقم حتّى يقضي اللّه فيك » . فقمت . وثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني ، فقالوا لي : واللّه ! ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما اعتذر به إليه المخلّفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لك . قال : فو اللّه ! ما زالوا يؤنّبونني حتّى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأكذّب نفسي . قال : ثمّ قلت لهم : هل لقي هذا معي من أحد ؟ . قالوا : نعم . لقيه معك رجلان . قالا مثل ما قلت . فقيل لهما مثل ما قيل لك . قال : قلت : من هما ؟ . قالوا : مرارة بن ربيعة العامريّ ، وهلال بن أميّة الواقفيّ . قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، فيهما أسوة . قال : فمضيت حين ذكروهما لي . قال : ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا ، أيّها الثّلاثة ، من بين من تخلّف عنه . قال : فاجتنبنا النّاس . وقال : تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض الّتي أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأمّا صاحباي ، فاستكانا « 4 » وقعدا في بيوتهما يبكيان . وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم « 5 » وأجلدهم . فكنت أخرج فأشهد الصّلاة وأطواف في الأسواق ولا يكلّمني أحد . وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلّم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصّلاة . فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السّلام ، أم لا ؟ . ثمّ أصلّي قريبا منه وأسارقه النّظر . فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي . حتّى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين ، مشيت حتّى تسوّرت « 6 » جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمّي ، وأحبّ النّاس إليّ . فسلّمت عليه فو اللّه ! ما ردّ عليّ السّلام . فقلت له : يا أبا قتادة ! أنشدك باللّه هل تعلمنّ أنّي أحبّ اللّه ورسوله ؟ قال : فسكت . فعدت فناشدته ، فسكت ، فعدت فناشدته . فقال : اللّه ورسوله أعلم . ففاضت عيناي ، وتولّيت ، حتّى تسوّرت الجدار . فبينا أنا أمشي في سوق المدينة ، إذا نبطيّ « 7 » من نبط أهل الشّام ، ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة . يقول : من يدلّ على كعب بن مالك . قال : فطفق النّاس يشيرون له إليّ . حتّى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان . وكنت
هامش
( 1 ) أعطيت جدلا : أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة . ( 2 ) تجد عليّ فيه : أي تغضب . ( 3 ) إني لأرجو فيه عقبى اللّه : أي يعقبني خيرا وأن يثيبني عليه . ( 4 ) استكانا : خضعا . ( 5 ) أشب القوم : أصغرهم سنّا . ( 6 ) تسورت : صعدت سوره . ( 7 ) نبطيّ : هم فلاحو العجم .