أحد من المسلمين أن يخرج إليه ، وبقي النّاس في حيرة ، فقيل للسّلطان : ما لها إلّا أبو الوليد بن فتحون فدعاه وتلطّف به ، قال : السّاعة أكفي المسلمين شرّه ، فلبس قميص كتّان واستوى على سرج فرسه بلا سلاح وأخذ بيده سوطا طويلا ، وفي طرفه عقدة معقودة ، ثمّ برز إليه فتعجّب منه النّصرانيّ . ثمّ حمل كلّ واحد منهما على صاحبه فلم تخطأ طعنة النّصرانيّ سرج ابن فتحون . وإذا ابن فتحون متعلّق برقبة الفرس ، ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السّرج ، ثمّ انقلب في سرجه وحمل على العلج ، وضربه بالسّوط فالتوى على عنقه فجذبه بيده من السّرج فاقتلعه ، وجاء به يجرّه حتّى ألقاه بين يدي المستعين . فعلم المستعين أنّه كان قد أخطأ في صنعه مع أبي الوليد بن فتحون فاعتذر إليه ، وأكرمه ، وأحسن إليه ، وبالغ في الإنعام عليه ، وردّه إلى أحسن أحواله ، وكان من أعزّ النّاس إليه » ) * « 1 » .
21 - * ( يقال : « الشّجاع محبّب حتّى إلى عدوّه ، والجبان مبغّض حتّى إلى أمّه ) * « 2 » .
22 - * ( قال بعضهم : « الشّجاعة صبر ساعة ، وقد جمع اللّه تعالى جميع ما يحتاج إليه في الحرب في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
( الأنفال / 45 - 46 ) » ) * « 3 » .
23 - * ( وقيل : « الرّجال ثلاثة : فارس وشجاع وبطل ، فالفارس الّذي يشدّ إذا شدّوا ، والشّجاع الدّاعي إلى البراز والمجيب داعيه ، والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا » ) * « 4 » .
24 - * ( وقيل أيضا : « الشّجاع يبادر للحرب غير مبال بها لثقته بنفسه وعزمه على التّغلّب على عدوّه . لكنّه في نفس الوقت يفرّق بين الشّجاعة والتّهوّر والإقدام ، وانتظار الفرصة المناسبة لينقضّ » ) * « 5 » .
25 - * ( وقال بعضهم : « الشّجاع لا يقرّ له قرار ولا يهدأ له بال ، ولا يغمض له جفن ، ولا يهنأ بطعام أو شراب إذا كان يرى عدوّه طليقا يتحدّاه وينغّص عليه حياته . وبالطّبع فإنّ الفارس الشّجاع لا بدّ أن يكون متمرّسا على الطّعن والرّمي والإبداع في إصابة الهدف بمرماه ، ولا يعيب الشّجاع أن يفرّ مرّة أو مرّتين » ) * « 6 » .
26 - * ( قالت الحكماء : أصل الخيرات كلّها في ثبات القلب ، ومنه تستمدّ جميع الفضائل وهو الثّبوت والقوّة على ما يوجبه العدل والعلم ، والجبن غريزة يجمعها سوء الظّنّ باللّه تعالى ، والشّجاعة غريزة يجمعها حسن الظّنّ باللّه تعالى ) * « 7 » .
هامش
( 1 ) المستطرف ( 1 / 313 - 314 ) .
( 2 ) صفوة الأخبار ( 81 ) .
( 3 ) نفس الموضع السابق
( 4 ) صفوة الأخبار ( 82 )
( 5 ) المرجع السابق ( 85 )
( 6 ) صفوة الأخبار ( 86 )
( 7 ) سراج الملوك للطرطوشي ج 2 ( 2 / 667 ) .