لكن علم أنّ فيها أمورا عظيمة ، لم يدرك بصره تفاصيلها . ثمّ خرجا . فسأله عمّا رأى في الدّار ؟ فجعل كلّما أخبره بشيء صدّقه ، لما عنده من شواهده . وهذه أعلى الدّرجات الصّدّيقيّة . ولا تستبعد أن يمنّ اللّه المنّان على عبد بمثل هذا الإيمان . فإنّ فضل اللّه لا يدخل تحت حصر ولا حسبان .
فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة : ازداد بها نورا إلى نوره . فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السّمع وشهد قلبه ولم يغب حصل له التّذكّر أيضا
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ
( البقرة / 265 ) . والوابل والطّلّ في جميع الأعمال وآثارها ، وموجباتها . وأهل الجنّة سابقون مقرّبون ، وأصحاب يمين ، وبينهما في درجات التّفضيل ما بينهما . حتّى إنّ شراب أحد النّوعين الصّرف يطيب به شراب النّوع الآخر ، ويمزج به مزجا . قال اللّه تعالى
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
( سبأ / 6 ) . فكلّ مؤمن يرى هذا . ولكنّ رؤية أهل العلم له لون ، ورؤية غيرهم له لون آخر ) * « 1 » .
6 - * ( قال اللّه تعالى في آياته المشهودة
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( ق / 36 - 37 ) . قال ابن القيّم - رحمه اللّه - : النّاس ثلاثة : رجل قلبه ميّت . فذلك الّذي لا قلب له . فهذا ليست هذه الآية ذكرى في حقّه .
الثّاني : رجل له قلب حيّ مستعدّ ، لكنّه غير مستمع للآيات المتلوّة ، الّتي يخبر بها اللّه عن الآيات المشهودة : إمّا لعدم ورودها ، أو لوصولها إليه ، ولكنّ قلبه مشغول عنها بغيرها . فهو غائب القلب ، ليس حاضرا . فهذا أيضا لا تحصل له الذّكرى ، مع استعداده ووجود قلبه .
والثّالث : رجل حيّ القلب مستعدّ . تليت عليه الآيات . فأصغى بسمعه ، وألقى السّمع وأحضر قلبه .
ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه . فهو شاهد القلب . ملق السّمع . فهذا القسم هو الّذي ينتفع بالآيات المتلوّة والمشهودة .
فالأوّل بمنزلة الأعمى الّذي لا يبصر .
والثّاني بمنزلة البصير الطّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه ، فكلاهما لا يراه .
والثّالث بمنزلة البصير الّذي قد حدّق إلى جهة المنظور ، وأتبعه بصره وقابله على توسّط من البعد والقرب . فهذا هو الّذي يراه . فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصّدور ) * « 2 » .
هامش
( 1 ) مدارج السالكين ( 1 / 476 - 477 ) .
( 2 ) المرجع السابق ( 1 / 477 ) .