تنفصل في أحيان أخرى بحسب السّياق ، يقول الكفويّ : الكرم إن كان بمال فهو جود وإن كان بكفّ ضرر مع القدرة فهو عفو ، وإن كان ببذل النّفس فهو شجاعة ، وقال أيضا : الصّبر في المحاربة شجاعة ، وفي إمساك النّفس عن الفضول قناعة ، وفي إمساك كلام الضّمير كتمان ، وقد لخّص - رحمه اللّه - العلاقة بين هذه المصطلحات بقوله : إنّ اختلاف الأسامي ( المصطلحات ) يكون باختلاف المواقع « 1 » .
منزلة الشجاعة بين الفضائل :
قال الطّرطوشيّ : واعلم أنّ كلّ كريهة ترفع ، أو مكرمة تكتسب لا تتحقّق إلّا بالشّجاعة ، ألا ترى أنّك إذا هممت أن تمنح شيئا من مالك خار طبعك ، ووهن قلبك ، وعجزت نفسك ، فشححت به ، وإذا حقّقت عزمك ، وقوّيت نفسك ، وقهرت ذلك العجز ، أخرجت المال المضنون به ، وعلى قدر قوّة القلب وضعفه تكون طيبة النّفس بإخراجه ، أو كراهية النّفس لإخراجه مع إخراجه ، وعلى هذا النّمط جميع الفضائل ، مهما لم تقارنها قوّة نفس لم تتحقّق ، وكانت مخدوعة . فالجبان يفرّ عن أمّه وأبيه . والشّجاع يقاتل عمّن لا يثوب به إلى رحله ، فبقوّة القلب يصاب امتثال الأوامر والانتهاء عن الزّواجر ، وبقوّة القلب يصاب اكتساب الفضائل ، وبقوّة القلب ينتهى عن اتّباع الهوى والتّضمّخ بالرّذائل . وبقوّة القلب يصبر الجليس على إيذاء الجليس وجفاء الصّاحب ، وبقوّة القلب يكتم الأسرار ويدفع العار ، وبقوّة القلب يقتحم الأمور الصّعاب ، وبقوّة القلب يتحمّل أثقال المكاره ، وبقوّة القلب يصبر على أخلاق الرّجال ، وبقوّة القلب تنفّذ كلّ عزيمة أوجبها الحزم والعدل .
وليس الصّبر والشّجاعة وقوّة النّفس أن تكون مصرّا في المحال « 2 » لجوجا في الباطل ، ولا أن تكون جلدا عند الضّرب ، صبورا على التّعب ، مصمّما على التّغرير والتّهوّر ؛ فإنّ هذه صفة الحمير والخنازير ، ولكن أن تكون صبورا على أداء الحقوق عليك ، صبورا على سماعها وإلقائها إليك ، غالبا لهواك ، مالكا لشهواتك ، ملتزما للفضائل بجهدك ، عاملا في ذلك على الحقيقة الّتي لا يحيلك عنها حياة ولا موت ، حتّى يكون عندك موتك على الخير الّذي أشار به العلم وأوجبه العدل ، خيرا من البقاء على ما أوجب رفض العلم والعدل « 3 » .
وقال الأبشيهيّ - رحمه اللّه تعالى - : اعلم أنّ الشّجاعة عماد الفضائل ، ومن فقدها لم تكمل فيه فضيلة يعبّر عنها بالصّبر وقوّة النّفس . قال الحكماء :
وأصل الخير كلّه في ثبات القلب ، والشّجاعة عند اللّقاء على ثلاثة أوجه : الوجه الأوّل إذا التقى الجمعان ، وتزاحف العسكران وتكالحت الأحداق بالأحداق ، برز من الصّفّ إلى وسط المعترك يحمل ويكرّ وينادي هل من مبارز ، والثّاني إذا نشب القوم واختلطوا ، ولم يدر أحد منهم من أين يأتيه الموت ، يكون رابط الجأش ،
هامش
( 1 ) الكليات للكفوي ( 53 ، 65 ) .
( 2 ) المحال : الجدال
( 3 ) سراج الملوك للطّرطوشي ( 2 / 668 - 670 ) بتصرف يسير .