المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ( خفض الصوت )
9 - * ( عن المقداد - رضي اللّه عنه - أنّه قال :
أقبلت أنا وصاحبان لي ، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد « 1 » فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فليس أحد منهم يقبلنا « 2 » . فأتينا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فانطلق بنا إلى أهله . فإذا ثلاثة أعنز . فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « احتلبوا هذا اللّبن بيننا » قال : فكنّا نحتلب فيشرب كلّ إنسان منّا نصيبه . ونرفع للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم نصيبه .
قال : فيجيء من اللّيل فيسلّم تسليما لا يوقظ نائما .
ويسمع اليقظان . قال : ثمّ يأتي المسجد فيصلّي . ثمّ يأتي شرابه فيشرب . فأتاني الشّيطان ذات ليلة ، وقد شربت نصيبي . فقلت : محمّد يأتي الأنصار فيتحفونه ، ويصيب عندهم . ما به حاجة إلى هذه الجرعة « 3 » .
فأتيتها فشربتها . فلمّا أن وغلت في بطني « 4 » وعلمت أنّه ليس إليها سبيل . قال : ندّمني الشّيطان . فقال :
ويحك ! ما صنعت ؟ أشربت شراب محمّد ؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك . فتذهب دنياك وآخرتك . وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي ، وجعل لا يجيئني النّوم . وأمّا صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت . قال : فجاء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فسلّم كما كان يسلّم .
ثمّ أتى المسجد فصلّى . ثمّ أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا . فرفع رأسه إلى السّماء فقلت : الآن يدعو عليّ فأهلك . . فقال : « اللّهمّ أطعم من أطعمني . وأسق من أسقاني » قال : فعمدت إلى الشّملة فشددتها عليّ .
وأخذت الشّفرة فانطلقت إلى الأعنز أيّها أسمن فأذبحها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا هي حافلة « 5 » . وإذا هنّ حفّل كلّهنّ ، فعمدت إلى إناء لآل محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه ، قال : فحلبت فيه حتّى علته رغوة . فجئت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال : « أشربتم شرابكم اللّيلة ؟ » قال : قلت : يا رسول اللّه اشرب ، فشرب ثمّ ناولني . فقلت يا رسول اللّه اشرب . فشرب ثمّ ناولني ، فلمّا عرفت أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد روي ، وأصبت دعوته ، ضحكت حتّى ألقيت إلى الأرض . قال : فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إحدى سوآتك يا مقداد » فقلت : يا رسول اللّه كان من أمري كذا وكذا ، وفعلت كذا ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما هذه إلّا رحمة من اللّه أفلا كنت آذنتني ، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها » قال : فقلت : والّذي بعثك بالحقّ ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك . من أصابها من النّاس ) * « 6 » .
10 - * ( عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت :
هامش
( 1 ) الجهد : بفتح الجيم ، هو الجوع والمشقة .
( 2 ) فليس أحد منهم يقبلنا : هذا محمول على أن الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا مقلين ليس عندهم شيء يواسون به .
( 3 ) ما به حاجة إلى هذه الجرعة : هي بضم الجيم وفتحها ، حكاهما ابن السكيت وغيره ، والفعل منه جرعت .
( 4 ) وغلت في بطني : أي دخلت وتمكنت منه .
( 5 ) حافلة : من الحفل وهو الاجتماع أي كثيرة اللبن .
( 6 ) مسلم ( 2055 ) .