تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 862

مساهمون:

ص٨٦٢
الملكوت لترى عجائب العزّ والجبروت . فتأمّل أيّها العاقل في الملكوت فعسى أن تفتح لك أبواب السّماء فتجول بقلبك في أقطارها إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرّحمن ، وأدنى شيء إليك نفسك ثمّ الأرض الّتي هي مقرّك ، ثمّ الهواء المكتنف لك ، ثمّ النّبات والحيوان وما على وجه الأرض ، ثمّ عجائب الجوّ وهو ما بين السّماء والأرض ، ثمّ السّماوات السّبع بكواكبها ، ثمّ الكرسيّ ، ثمّ العرش ، ثمّ الملائكة الّذين هم حملة العرش وخزّان السّماوات . فارفع الان رأسك إلى السّماء وانظر فيها : في كواكبها وفي دورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودءوبها في الحركة على الدّوام - من غير فتور في حركتها ومن غير تغّير في سيرها ؛ بل تجري جميعا في منازل مرتّبة بحساب مقدّر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها اللّه تعالى طيّ السّجلّ للكتاب - وتدبّر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها ، فبعضها يميل إلى الحمرة وبعضها إلى البياض وبعضها إلى اللّون الرّصاصيّ . ثمّ انظر كيفيّة أشكالها ، فبعضها على صورة العقرب وبعضها على صورة الحمل والثّور والأسد والإنسان ، وما من صورة في الأرض إلّا ولها مثال في السّماء . ثمّ انظر إلى مسير الشّمس في فلكها في مدّة سنة ، ثمّ هي تطلع في كلّ يوم وتغرب ، بسير آخر سخّرها له خالقها ، ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف اللّيل والنّهار ولم تعرف المواقيت ، ولأطبق الظّلام على الدّوام ، أو الضّياء على الدّوام ، فكان لا يتميّز وقت المعاش عن وقت الاستراحة ، فانظر كيف جعل اللّه تعالى اللّيل لباسا والنّوم سباتا والنّهار معاشا ، وانظر إلى إيلاجه اللّيل في النّهار ، والنّهار في اللّيل ، وإدخاله الزّيادة والنّقصان عليهما على ترتيب مخصوص . وانظر إلى إمالته مسير الشّمس عن وسط السّماء حتّى اختلف بسببه الصّيف والشّتاء والرّبيع والخريف ، فإذا انخفضت الشّمس من وسط السّماء في مسيرها برد الهواء وظهر الشّتاء ، وإذا استوت في وسط السّماء اشتدّ القيظ « 1 » ، وإذا كانت فيما بينهما اعتدل الزّمان ، وعجائب السّماوات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها ، وإنّما هذا تنبيه على طريق الفكر ) * « 2 » . 19 - * ( قال ابن القيّم - رحمه اللّه - : أصل الخير والشّرّ من قبل التّفكّر ، فإنّ الفكر مبدأ الإرادة والطّلب في الزّهد والتّرك والحبّ والبغض ، وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد ، وفي طرق اجتلابها ، وفي دفع مفاسد المعاد ، وفي طرق اجتنابها ، فهذه أربعة أفكار هي أجلّ الأفكار ، ويليها أربعة : فكر في مصالح الدّنيا وطرق تحصيلها ، وفكر في مفاسد الدّنيا وطرق الاحتراز منها ، فعلى هذه الأقسام الثّمانية دارت أفكار العقلاء . ورأس القسم الأوّل
هامش
( 1 ) القيظ : شدة الحر . ( 2 ) إحياء علوم الدين للغزالي ( 4 / 434 - 446 ) .