تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 861

مساهمون:

ص٨٦١
السّماء ومحدّب الأرض يدرك بحسّ اللّمس عند هبوب الرّياح جسمه ، ولا يرى بالعين شخصه ، وجملته مثل البحر الواحد والطّيور محلّقة في جوّ السّماء ومستبقة سبّاحة فيه بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء ، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هبوب الرّياح كما تضطرب أمواج البحر ، فإذا حرّك اللّه الهواء وجعله ريحا هابّة ، فإن شاء جعله نشرا بين يدي رحمته كما قال سبحانه
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
( الحجر / 22 ) فيصل بحركته روح الهواء إلى الحيوانات والنّباتات فتستعدّ للنّماء ، وإن شاء جعله عذابا على العصاة من خليقته كما قال تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
( القمر / 19 - 20 ) . ثمّ انظر إلى عجائب الجوّ وما يظهر فيه من الغيوم والرّعود والبروق والأمطار والثّلوج والشّهب والصّواعق ، فهي عجائب ما بين السّماء والأرض ، وقد أشار القرآن إلى جملة ذلك في قوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
( الدخان / 38 ) . ومن آياته ملكوت السّماوات والأرض ، وما فيها من الكواكب ، وهو الأمر كلّه ، ومن أدرك الكلّ وفاته عجائب السّماوات فقد فاته الكلّ تحقيقا . فالأرض والبحار والهواء وكلّ جسم سوى السّماوات بالإضافة إلى السّماوات قطرة في بحر وأصغر . ثمّ انظر كيف عظّم اللّه أمر السّماوات والنّجوم في كتابه ، فما من سورة إلّا وتشتمل على تفخيمهما في مواضع ، وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ
( البروج / 1 ) ،
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ
( الطارق / 1 ) ،
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
( الذاريات / 7 ) ،
وَالسَّماءِ وَما بَناها
( الشمس / 5 ) ، وكقوله :
وَالشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها
، ( الشمس / 1 - 2 ) وكقوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ
( التكوير / 15 - 16 ) ، وقوله تعالى :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
، النجم / 1 )
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
( الواقعة / 75 - 76 ) وقد علمت أنّ عجائب النّطفة القذرة عجز عن معرفتها الأوّلون والآخرون ، وما أقسم اللّه بها - فما ظنّك بما أقسم اللّه تعالى به وأحال الأرزاق عليه وأضافها إليه فقال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
( الذاريات / 22 ) وأثنى على المفكّرين فيه فقال :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( آل عمران / 191 ) . وذمّ المعرضين عنها فقال :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ
( الأنبياء / 32 ) فأيّه نسبة لجميع البحار والأرض إلى السّماء وهي متغيّرات على القرب ، والسّماوات صلاب شداد محفوظات عن التّغيّر إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، ولذلك سمّاه اللّه تعالى محفوظا فقال :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً
( الأنبياء / 32 ) ، وقال سبحانه :
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً
( النبأ / 12 ) وقال :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها
( النازعات / 27 - 28 ) ، فانظر إلى
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 861 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح