تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 860

مساهمون:

ص٨٦٠
وليتمّ بها حروف الكلام ، وخلق الحنجرة وهيّأها لخروج الصّوت ، وخلق للّسان قدرة للحركات والتّقطيعات لتقطيع الصّوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف وليتّسع بها طريق النّطق بكثرتها . ثمّ خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضّيق والسّعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطّول والقصر ، حتّى اختلفت بسببها الأصوات ، فلا يتشابه صوتان ؛ بل يظهر بين كلّ صوتين فرق حتّى يميّز السّامع بعض النّاس عن بعض بمجرّد الصّوت في الظّلمة . ثمّ زيّن الرّأس بالشّعر والأصداغ ، وزيّن الوجه باللّحية والحاجبين ، وزيّن الحاجب برقّة الشّعر واستقواس الشّكل ، وزيّن العينين بالأهداب . ثمّ خلق الأعضاء الباطنة وسخّر كلّ واحد لفعل مخصوص . وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكّر في الأرض الّتي هي مقرّك ، ثمّ أنهارها وجبالها ، ومعادنها ، ثمّ ارتفع منها إلى ملكوت السّماوات ، والأرض فمن آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها ، وجعلها قارّة لا تتحرّك ، وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد . ثمّ وسّع أكنافها حتى عجز الادميّون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت أعمارهم وكثر تطوافهم ، فقال تعالى :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ
( الذاريات / 47 - 48 ) وقال تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها
( الملك / 15 ) وقال تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
( البقرة / 22 ) وقد أكثر في كتابه العزيز من ذكر الأرض ليتفكّر في عجائبها فظهرها مقرّ للأحياء وبطنها مرقد للأموات ، قال اللّه تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً * أَحْياءً وَأَمْواتاً
( المرسلات / 25 - 26 ) . ومن آياته الجواهر المودعة تحت الجبال ، والمعادن الحاصلة من الأرض : ففي الأرض قطع متجاورات مختلفة ، فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النّفيسة من الذّهب والفضّة والفيروز واللّعل وغيرها . ومن آياته أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما يمشي ، وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين ، وإلى ما يمشي على أربع ، وعلى عشر ، وعلى مئة ، كما يشاهد في بعض الحشرات ، ثمّ انقسامها في المنافع والصّور والأشكال والأخلاق والطّباع . ومن آياته البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض ، الّتي هي قطع من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض ، حتّى إنّ جميع المكشوف من البوادي والجبال والأرض بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم وبقيّة الأرض مستورة بالماء . وقد شاهدت عجائب الأرض وما فيها فتأمّل الان عجائب البحر ، فإنّ عجائب ما فيه من الحيوان والجواهر أضعاف عجائب ما تشاهده على وجه الأرض . ومن آياته الهواء اللّطيف المحبوس بين مقعّر