الْأَلْبابِ
( آل عمران / 190 ) ، وكما قال تعالى : في آياته من أوّل القرآن إلى آخره . فلنذكر كيفيّة الفكر في بعض الآيات : ( وما أكثر الآيات وما أعظمها ) .
فمن آياته : الإنسان المخلوق من النّطفة - وأقرب شيء إلى نفسك - وفيك من العجائب الدّالّة على عظمة اللّه تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيره وأنت غافل عنه . فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل بها ، كيف تطمع في معرفة غيرك ؟ وقد أمرك اللّه تعالى بالتّدبّر في نفسك في كتابه العزيز فقال :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( الذاريات / 21 ) وذكر أنّك مخلوق من نطفة قذرة فقال :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
( عبس / 17 - 22 ) وقال تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
( الروم / 20 ) ، وقال تعالى :
أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى
القيامة / 37 - 38 ) وقال تعالى :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ
( المرسلات / 20 - 22 ) وقال :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
( يس / 77 ) ، وقال :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ
( الإنسان / 2 ) ثمّ ذكر : كيف جعل النّطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، فقال تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
( المؤمنون / 12 - 14 ) الآية .
فتكرير ذكر النّطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التّفكّر في معناه ، فانظر الان إلى النّطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت - كيف أخرجها ربّ الأرباب من الصّلب والتّرائب ، وكيف جمع بين الذّكر والأنثى وألقى الألفة والمحبّة في قلوبهم ، وكيف قادهم بسلسلة المحبّة والشّهوة إلى الاجتماع ، وكيف استخرج النّطفة من الرّجل بحركة الوقاع ، وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الرّحم ؟ .
ثمّ كيف خلق المولود من النّطفة وسقاه بماء الحيض وغذّاه حتّى نما وربا وكبر ، وكيف جعل النّطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ، ثمّ كيف جعلها مضغة ، ثمّ كيف قسّم أجزاء النّطفة وهي متساوية متشابهة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللّحم ؟ ثمّ كيف ركّب من اللّحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظّاهرة ، فدوّر الرّأس وشقّ السّمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ ، ثمّ مدّ اليد والرّجل ، وقسّم رءوسها بالأصابع وقسّم الأصابع بالأنامل ؟ ثمّ كيف ركّب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطّحال والرّئة والرّحم والمثانة والأمعاء كلّ واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ، ثمّ كيف قسّم كلّ عضو من هذه الأعضاء بأقسام أخر ، فركّب العين من سبع طبقات ، لكلّ طبقة وصف مخصوص وهيئة