تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
اجتهلته الحميّة « 1 » . فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عمّ سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت . لعمر اللّه لنقتلنّه ؛ فإنّك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيّان الأوس والخزرج « 2 » ، حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر . فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت . قالت : وبكيت يومي ذلك . لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . ثمّ بكيت ليلتي المقبلة . لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي ، وأنا أبكي ، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها . فجلست تبكي . قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فسلّم ثمّ جلس . قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل . وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء . قالت : فتشهّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين جلس ، ثمّ قال : « أمّا بعد . يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة فسيبرّئك اللّه . وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه . فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثمّ تاب ، تاب اللّه عليه » . قالت : فلمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالته ، قلص دمعي « 3 » حتّى ما أحسّ منه قطرة . فقلت لأبي : أجب عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما قال . فقال : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقلت لأمّي : أجيبي عنّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقالت : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقلت - وأنا جارية حديثة السّنّ ، لا أقرأ كثيرا من القرآن - : إنّي ، واللّه لقد عرفت أنّكم قد سمعتم بهذا حتّى استقرّ في نفوسكم وصدّقتم به . فإن قلت لكم إنّي بريئة ، واللّه يعلم أنّي بريئة ، لا تصدّقوني بذلك . ولئن اعترفت لكم بأمر واللّه يعلم أنّي بريئة ، لتصدّقونني . وإنّي واللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
( يوسف / 18 ) . قالت : ثمّ تحوّلت فاضطّجعت على فراشي . قالت : وأنا واللّه حينئذ أعلم أنّي بريئة . وأنّ اللّه مبرّئي ببراءتي . ولكن ، واللّه ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى . ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم اللّه - عزّ وجلّ - فيّ بأمر يتلى . ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النّوم رؤيا يبرّأني اللّه بها . قالت : فو اللّه ما رام « 4 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتّى أنزل اللّه - عزّ وجلّ - على نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء « 5 » عند الوحي . حتّى إنّه ليتحدّر
هامش
( 1 ) اجتهلته الحمية : استخفته وأغضبته وحملته على الجهل . ( 2 ) فثار الحيان الأوس والخزرج : أي تناهضوا للنزاع والعصبية . ( 3 ) قلص الدمع : أي ارتفع وذهب . ( 4 ) ما رام : أي ما فارق . ( 5 ) البرحاء : هي الشدة .