كنز الكرم مولى النّعم * هادي الأمم لشريعته
نال الشّرفا واللّه عفا * عمّا سلفا من أمّته « 1 »
فلم يكتف البوصيري بالوزن فقط ، وإنما زاد على ذلك ، فقطع كل شطر إلى جزئين ، وجعل للبيت قافية داخلية بالإضافة إلى القافية العامة التي تنظم الأبيات ، فجعلها مموسقة موقعة ، وكأنه وضع في ذهنه كيف ستنشد ، أو أنه وضعها لتلبي حاجة مجالس الإنشاد .
وقد اقتربت قصيدة البوصيري من التشريع الذي عرف في ذلك العصر ، وهو أن « يا بني الشاعر بيته على وزنين من أوزان القريض وقافيتين ، فإذا أسقط من أجزاء البيت جزآ أو جزأين ، صار ذلك البيت من وزن آخر غير الأول » .
ومثّل ابن حجة لهذا الضرب من الشعر من بديعيته وبديعيات غيره ، فقال مثل قولي في البديعية :
طاب اللّقا لذّ تشريع الشّعور لنا * على النّقا فنعمنا في ظلالهم
فأخذ منه :
طاب اللقا على النقا * وهو من منهوك الرجز « 2 »
فالتشريع يحتاج إلى جهد ذهني كبير ، وإلى موازنة وملاءمة ، وتصنّع شديد ليستقيم للشاعر الوزن الذي يمكن استخراج وزن آخر منه ، وبقافية جديدة ، وهذا ما لم يفعله الشعراء واكتفوا بالتقطيع الداخلي مثلما فعل البوصيري ، وفعل ابن الموصلي في مدحته النبوية التي يقول فيها :
هامش
( 1 ) ديوان البوصيري : ص 275 .
( 2 ) ابن حجة : خزانة الأدب ص 119 .