تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
ومثل هذا قصيدة أخرى للصرصري ، تسيل عذوبة ، وتطفح بالموسيقا الشعرية التي تتأتى من الوزن وعلاقة الألفاظ واختيارها ، بدأها بقوله :
أغراه بنجد لوّمه * فبدا ما كان يكتمه
لو لاقى منه معنّفه * ما لاقى أصبح يرحمه
أنّى يلحق صبّ قلق * مشغوف القلب متيّمه
إنّ المغرى بهوى طلل * لقتيل مطلول دمه « 1 »
والقصيدة كلها على هذا النحو من رشاقة اللفظ وخفة الوزن وعذوبة القافية الملائمة للإنشاد ، تزيد السامع نشوة على نشوة المعنى ، يجتمع فيها الفن الشعري الأخّاذ والمعاني القريبة من النفس ، والتي تثير شجونها ومكامن الانفعال فيها . وللصرصري مدائح أخرى مماثلة ، تجمع خفة الوزن وعذوبة اللفظ ورشاقته ، ويظهر أن الصرصري وجد في الأوزان الخفيفة ما يلبي حاجة الإيقاع الداخلي في نفسه ، وما يلائم مجالس الإنشاد ، مثلما وجد في البحور الطويلة ما يعبّر عن أفكاره ، ويتسع للمعلومات الكثيرة التي أودعها مدائحه النبوي ، ومن المرجح أن الإنشاد ومجالسه قد جعل شعراء المدح النبوي يجنحون في قصائدهم نحو أشكال تلبي حاجة المنشدين ، وتفي بما تتطلبه هذه المجالس ، لذلك أخذوا ينظمون قصائدهم على الأوزان الخفيفة ، ويقطّعون أبياتها تقطيعات إيقاعية ، يسهل معها إنشادها بمصاحبة الآلات الإيقاعية . ومن هذه القصائد قصيدة للبوصيري ، يقول فيها :
الصّبح بدا من طلعته * واللّيل دجا من وفرته
فاق الرّسلا فضلا وعلا * أهدى السّبلا لدلالته
هامش
( 1 ) المجموعة النبهانية : 4 / 53 .