ألا ترى يا عبد اللّه كيف أغنى واحدا وقبح صورته ، وكيف حسن صورة واحد وأفقره ، وكيف شرف واحدا وأفقره ، وكيف أغنى واحدا ووضعه . ثم ليس لهذا الغني أن يقول " هلا أضيف إلى شرفي مال فلان " ، ولا للوضيع أن يقول " هلا أضيف إلى ضعتي شرف فلان " . ولكن الحكم للّه يقسم كيف يشاء ، يفعل كما يشاء ، وهو حكيم في أفعاله ، محمود في أعماله ، فأحوجنا بعضا إلى بعض ؛ أحوج هذا إلى مال ذلك ، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا وإلى خدمته .
فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب ؛ اما سلعة معه ليست معه ، واما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلّا به ، واما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير .
فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني ، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته .
ثم ليس للملك أن يقول : هلا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير ، ولا للفقير أن يقول : هلا اجتمع على رأيي وعلمي وما اتصرف فيه من فنون الحكمة ما لهذا الملك الغني .
ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم : واما قولك
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
إلى اخر ما قلته ، فإنك قد اقترحت على محمد رسول اللّه أشياء ؛ منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ، ومنها ما لو جاءك به كان معه هلاكك ، وانما يؤتي بالحجج والبراهين ليلزم عباد اللّه الايمان به ألا ليهلكوا بها ، فإنما اقترحت هلاكك ، ورب العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما تقترحون .
ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه ، ورسول ربّ العالمين يعرفك ذلك ويقطع معاذيرك ، ويضيق عليك سبيل مخالفته ، ويلجئك بحجج اللّه إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص . ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه