فأذن له .
فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول اللّه من النار يوم النار .
فقال رسول اللّه : يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص ؟
فقال : بل أعفو يا رسول اللّه .
فقال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد . « 1 »
حاول النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم قبل أن يوافيه الأجل ، أن يطل على مجتمع المسلمين - مرّة أخرى - ليسبغ عليه من وحي مبادثه ، ونهج رسالته . . دون أن يعيقه عن ذلك ما ألم به من مرض قد أثقل بدنه وأتعب جسمه . فخرج صلّى اللّه عليه واله وسلّم وهو معصب الرأس ، متوكيا على قوسه ، يجر قدميه وكأن ثقل الحديد قد أنهكه ، متوجّها صوب منبره .
يا ترى ما ذا يريد أن يصرح به النبي في مثل هذه الساعة ، وهو على ما فيه من حال ؟
عندها قد خيّم الصمت على النفوس ، وباتت الاذان صاغية ، والعيون ناظرة ، والقلوب قد اعتصرها الاستغراب ، والأذهان قد لفّها الاستفهام . . لماذا استحضار الناس ، وماذا وراء ذلك ؟
وإذا برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم يتساءل من الحاضرين : أي نبي كنت لكم ؟
وقد اتبع سؤاله هذا ببيان معاناته في مسيرته الرسالية ، ولعله صلّى اللّه عليه واله وسلّم كان يرمي من وراء ذلك ان لا ينسحب أحد من ساحة العمل الرسالي حتى لو انكسرت رباعيته ، وسال الدم على وجهه ، وربط حجر المجاعة على بطنه . . بل يصر على مواصلة المسيرة ، متحديا كل العقبات والصعوبات .
والحق إذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قد عانى كل ذلك من أجل بناء كيان أمته ،
هامش
( 1 ) الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي / أمالي الصدوق / ص 506 - 507 .