يبدو لي أن مصير الغنائم مجهول ، والقدر المتيقن أن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رفض أخذها .
رابعا : نظرة فاحصة في الوحي الذي نزل
تقول الرواية أن الرسول الكريم لم يرتض الغنائم ، وحفظ العير والأسيرين ، حتى نزل وحي سماوي يعالج القضية ، فقد قال الله تعالى في ذلك ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله . . . ) ، والآية تشير إلى معنى دقيق ، ليس فيه تبرئة للذين قاتلوا وغنموا في الشهر الحرام كما يتصور البعض ، بل الإدانة ما زالت ، هي موجودة ، فهؤلاء المسلمون خرجوا على الشريعة هنا ، انتهكوا حرمة ، الشهر الحرام ، ولكن عمل المشركين أكثر جرما ، أكثر إيغالا في الجريمة ، فالمعنى والله العالم ( إنّكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام ، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ، ومن كفركم بالله ، وإخراجكم أهل المسجد منه كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكثر جرما عند الله « 1 » فليس في التنزيل تبرئة ، ولا تبرير ، ولا تسويغ ، بل الجرم موجود ومثبّت ، ولكن جرم الذين كفروا مضاعف ، مضاعف في كمه ، وفي كيفه ، وفي الآثار التي تترتب عليه . ولكن بعض المفسرين بل حتى وكتاب السيرة يعدون هذا التنزيل بمثابة عفو عن السرية بما قدمت عليه بما يتنافى مع الأوامر النبوية ، تلك الأوامر التي لم تتخط الرصد والتحسس والإتيان بالخبر .
هامش
( 1 ) القرطبي 2 / ص 44 .