فكأنه صلى اللّه عليه وسلم أراد ألا يكون له أدنى تعلق بالدنيا ، حتى ولو كان مجرد تذكر عارض يطرأ ثم يذهب ، وعلة ذلك أن ينشغل قلبه وعقله صلى اللّه عليه وسلم بالآخرة في كل أوقاته وأحواله .
الفائدة الثانية :
هذا الحديث من دلائل نبوته صلى اللّه عليه وسلم حيث ألزم نفسه ونساءه هذا الزهد ، ولما تمالأن عليه ليزيد النفقة أبى ، ونزل القرآن يؤدب أمهات المؤمنين رضي اللّه عنهن بالأدب الرباني ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا
[ الأحزاب : 28 ] .
فخير النبي صلى اللّه عليه وسلم أزواجه في البقاء معه ، أو التسريح الجميل ، فاخترن جميعهن اللّه ورسوله .
ويجب على المكاذبين لنبوته أن يتأملوا هذا الزهد ، أفرأيتم إن لم يكن نبيّا ، قد علم من نفسه أنه يكذب على اللّه ، فكيف يضيع آخرته بكذبه على اللّه ( حاشا لله ) ، ويضيع الدنيا بهذا الزهد والتقشف ، في الأكل والشرب والملبس والفراش الخشن ، مع قدرته على أن يتنعم بأحسن ما فيها ، ولا يخفى على أحد تقديم أصحابه وحبهم له ، فو اللّه لو طلب أولادهم وما عندهم من مأكل ومشرب ، لقدموا ذلك له فرحين مختارين سباقين ، أيخفى على أحد أنهم تركوا كل ذلك ، وهاجروا من مكة إلى المدينة لله ورسوله ، أيفعلون ذلك وهم في شك من أمره ؟ وهل يفعل ذلك هو ( يضيع الدنيا والآخرة ) وهو أرجح الناس عقلا وأصدقهم قولا وأكثرهم أمانة ، باتفاق أهل عصره قبل البعثة النبوية ، ولماذا ترضى الزوجات بهذا الضيق في العيش ، والمرأة ما تتزوج من رئيس القوم إلا للجاه والسلطان والمال ومتاع الدنيا .
وكيف يتحقق ذلك لنساء النبي ، وكل واحدة منهن تعيش في غرفة واحدة ، ومعها في القسمة نساء كثيرات ، كان فيهن ذوات الحسب والنسب ، بل تأتي المرأة وتهب نفسها لرسول اللّه ، مختارة تتمنى أن يوافق ، وقد جاوز الخمسين من عمره ، في أي شيء كانت تفكر عندما فعلت ذلك ؟ ! وماذا كانت تأمل أن يقدم لها من الدنيا ؟ ! بل إن اللّه حرم عليهن أن يتزوجن بعده أبدا ، بل إنه صلى اللّه عليه وسلم لا يورث فما تركه كان صدقة ، واللّه ما كانت تفكر إلا في شرف الانتساب لبيت النبوة ، وتكون أمّا للمؤمنين ، تذكر في الكتاب المبين ، وليست واقعة زيد بن حارثة ، ببعيدة عنا ، وهو الذي - كما أشرنا - فضّل الخدمة عنده على الحرية مع أبيه وعشيرته ، أيستطيع رجل أن يخدع زوجاته وخدمه في كل أموره طيلة حياته ، وهم الذين يطلعون على ما لا يطلع عليه سواهم ، ويرون ما لا يراه سواهم ، فضلا عن أصحابه الكثر ،