شكواها أو اعتراضها قد يزيد الأمر ، وهي تريد أن تنجو وتسلم لا أن تهلك وتتردى .
وأسوق هذا الدرس المستفاد ، لكل من يعترض على حكم اللّه ورسوله ، ويناقشه ، يريد رده بسوء أدب ، أقول له : تعلّم من جارية يتيمة حديثة السن ، واعلم أن اعتراضك وسوء أدبك في مناقشتك لأحكام اللّه ورسوله ، لن يغير من الأمر شيئا ، اقتنعت أم لم تقتنع ، ويكفيك أن تسأل على عدم امتثالك ، فلا تضم إليه السؤال عن عدم أدبك ، وهو سؤال يوردك المهالك لا محالة ، وهو أعظم من السؤال عن المعصية نفسها .
وتدبر أخي القارئ ، حال جارية تسمع بأذنيها الدعاء عليها ، وهي تتيقن أن الدعاء مستجاب ولا بد ، وتعود إلى بيتها في حال البكاء والخوف ، فماذا تقول في حق من دعا عليها ؟ أيحملها خوفها أو حالتها النفسية السيئة أو شدة بكائها أن تنسى مكانة النبي صلى اللّه عليه وسلم لا والله ، قالت اليتيمة : ( دعا عليّ نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) ، هكذا منتهى الأدب .
2 - قول أم سليم - رضي اللّه عنها - للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ( زعمت أنك دعوت ألايكبر سنها ) ، فهي أيضا قد راعت عظيم الأدب في كلامها ، مع خوفها الشديد على يتيمتها ، حيث قالت : ( زعمت ) ، ولم تقل : ( قالت ) ؛ لأنها تعلم من حال النبي صلى اللّه عليه وسلم حسن خلقه وشفقته ورحمته ، وأن الدعاء على أصحابه ليس من شيمته ولا من عاداته ، قال الإمام النووي - رحمه اللّه . : ( وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأوقات ، ولم يكن صلى اللّه عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه ) « 1 » .
و - شفقته صلى اللّه عليه وسلم بالحيوان
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا سافرتم في الخصب « 2 » فأعطوا الإبل حظّها من الأرض ، وإذا سافرتم في السّنة « 3 » فأسرعوا عليها السّير ، وإذا عرّستم « 4 » باللّيل ، فاجتنبوا الطّريق ، فإنّها مأوى الهوامّ باللّيل » « 5 » .
الشّاهد في الحديث :
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض ، وإذا سافرتم في
هامش
( 1 ) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ( 16 / 152 ) .
( 2 ) الخصب : أي كثرة العشب والمرعى .
( 3 ) السنة : أي القحط .
( 4 ) التعريس : أي الوقوف في طريق السفر آخر الليل للراحة أو الأكل أو لقضاء الحاجة .
( 5 ) مسلم ، كتاب : الإمارة ، باب : مراعاة مصلحة الدواب في السير . . . ، برقم ( 1926 ) .