تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩

و [ الحكم ] الثالث :

يغسل ويكفن ويصلّى عليه ، وفي الآخرة يرجى له الجنة بشهادته .

الفائدة الرابعة عشرة :

في الحديث أن على الإمام أن يرفق بالأمة ، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها وعليه أن يسعى في إزالة ما يكره المسلمون وما يشق عليهم . ونأخذ منه أيضا أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، والمفسدة هنا المشقة التي يتكبدها المسلمون بخروج الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والمصلحة التي أخّرت هي الخروج في سبيل الله . وأسوق مثالا ، يبين كيف كان النبي صلى اللّه عليه وسلم أرفق الناس بأمته وأبعد الناس عما يشق عليها ، فأقول : كانت أحب العبادات إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم الصلاة ، ومع ذلك كان يدخل الصلاة وفي نيته أن يطيل ، يتلذذ فيها بالقراءة ومناجاة ربه - تبارك وتعالى - ومن معه صلى اللّه عليه وسلم من جموع الصحابة رضي اللّه عنهم - ولكن كان إذا سمع في تلك الصلاة بكاء صبي ، يخفف الصلاة ، شفقة على أمه وكراهية المشقة عليها ، ويفوّت على نفسه ، وعلى بقية أصحابه ، الأجر العظيم المترتب على طول الصلاة ، شفقة على امرأة واحدة ، من منا يفعل ذلك ؟ روى أبو قتادة عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنيّ لأقوم في الصّلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصّبيّ فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه » . « 1 »

الفائدة الخامسة عشرة :

فيه تسلية لمن عزم على الطاعة ، وحيل بينه وبينها ، فلا يظن بنفسه سوآ ، فيقول : لو علم اللّه في نفسي خيرا وصدقا لوفقني للطاعة ، كما لا يظن في اللّه سوآ فيقول : لم لم يوفقني وأنا ما أردت إلا خيرا ؟ فهذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعبد الخلق لله ، وأخلصهم له نية ، يقسم باللّه ليود ألا يقعد خلف سرية ، ومع ذلك يحال بينه وبين ذلك ، واللّه يقدر على أن يرزقه فيحمل فقراء المسلمين معه ، أو يرزق الفقراء ، واللّه - عز وجل - لا تعجزه الأسباب ، ولكن شاء اللّه غير ذلك ، وكل مشيئة لله مبنية على الحكمة ، التي قد تخفى علينا ، فعلى المسلم أن يسلم ويرضى ، ولا يتكلف البحث عن حكمة اللّه في كل شيء ، فما بيّنه اللّه من الحكم حمدناه على ذلك وآمنا بها ، وإن كانت على خلاف المعقول بالنسبة للعقول ، وما حجب عنا سلمنا به ، وأيقنا أن حكمته - عز وجل - بالغة ، فالمسلم لا يؤمن لأن عقله اقتنع بالحكمة أو السبب ، بل يؤمن لأنه يعلم أن اللّه هو الذي أمر ونهى ، وحكم وقدر في الأمور القدرية والشرعية ، وإن لم نفعل ذلك لكنا مؤمنين بعقولنا ، وما تمليه علينا أفهامنا فما قبله العقل قبلناه ، وما رده رددناه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ، كتاب : الأذان ، باب : من أخف الصلاة عند بكاء الصبي حديث ( 707 ) .