يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] .
ب - أنه صلى اللّه عليه وسلم لما استيقظ ووجد الأعرابي قد سل سيفه يهدده بالقتل ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم ليس معه شيء يدافع به عن نفسه ، والأعرابي يقول له : ( ما يمنعك مني ؟ ) ، أي : من يحميك مني ؟ ، أو من يحول بيني وبين قتلك ، لم يزد النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قوله « الله » ، وهذا يدل على عظيم تعلق قلبه صلى اللّه عليه وسلم بربه ، ويقينه أن أمر الأعرابي بيد اللّه وحده ، فاللّه سبحانه قادر على أن يشل يد الأعرابي ، بل قادر على أن يقتل الأعرابي في مكانه ، أو أن يهديه إلى الحق .
وأقول : كلنا نثق باللّه - عز وجل - ونعلم أنه يرانا ويسمعنا في كل أحوالنا وفي جميع أقوالنا ، ولكن من منا إذا تعرض لما تعرض له الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يجزع ولا يخاف ، ولا يقول إلا ( الله ) .
2 - شجاعته صلى اللّه عليه وسلم حيث إنه لما استيقظ ، ووجد السيف مسلطا عليه ، لم تتحرك له ساكنة ، ولم تظهر عليه أي من علامات الخوف كطلب النجدة ، أو الرعشة ، أو التوسل إلى الرجل حتى يتركه ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : ( وفي الحديث فرط شجاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال ) « 1 » .
3 - حبه صلى اللّه عليه وسلم للعفو والصفح عمن أراد إيذاءه ، ورد في الحديث : ( فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) ، ومعنى ( ثم لم يعرض له ) ، أي لم يعاقبه على ما فعل ، قال ابن حجر : ( فمنّ عليه لشدة رغبة النبي صلى اللّه عليه وسلم في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام ) .
4 - تمام عناية اللّه بنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد حماه من كل من أراد إيذاءه وقتله صلى اللّه عليه وسلم ، وصدق اللّه حيث قال :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ
[ الطور : 48 ] .
الفائدة الثانية :
من فوائد الثبات وحسن الثقة بالله ، تخويف الأعداء وإلقاء الرعب في قلوبهم ، بل ويجعلهم على يقين أننا على الحق وهم على الباطل ، فهذا الرجل في الحديث الذي معنا ، وقد تمكن من سل السيف على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ما الذي جعله يغمد سيفه ويجلس دون أدنى إيذاء للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أليس رؤيته لشجاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم وقوة يقينه بالله تعالى ؟ قال الحافظ ابن حجر : ( وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم وعرف أنه حيل بينه وبين النبي علم تحقق صدقه وأنه لن يصل إليه ، فألقى السلاح وأمكنه من نفسه ) .
يتفرع عليه ، وجوب أن يرى أعداؤنا منا اليوم ثقتنا الكاملة باللّه وتمسكنا بديننا ، حتى
هامش
( 1 ) انظر فتح الباري ( 7 / 428 ) .