دُعائِهِمْ غافِلُونَ ( 5 ) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
[ الأحقاف : 5 - 6 ] فبينت الآيتان ضلالهم من عدة وجوه :
1 - أنهم يدعون من هو دون الله ، فقد تركوا الغني من كل الوجوه ودعوا الفقير من جميع الوجوه ، تركوا من يخلق ودعوا من لا يخلق ، قال تعالى :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
[ النحل : 17 ] ، فكل أحد غير الله هو دون الله .
2 - أنهم يدعون من لا يستجيب لهم بجلب نفع أو دفع ضر ، ولو استمر دعاؤهم إلى يوم القيامة ، وهم - مع عدم استجابتهم - غافلون عمن يدعونهم ، لعدم سماعهم الدعاء .
3 - أنهم يدعون من يناصبهم ويظهر لهم العداوة يوم القيامة ، وينكرون عليهم دعاءهم ، ويتبرؤن إلى الله من ذلك ، وانظر كيف أطلقت الآية الكريمة العبادة على الدعاء ، قال تعالى :
وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
[ الأحقاف : 6 ] .
أخيرا أهمس في أذن كل من يذهب إلى القبور لدعوة أموات ، يرجون منهم الرزق والولد ، وحل العقد ، وأقول لهم : كيف تعرضون عن الله ، وتتوجهون لمن هو دونه ؟ ! إنّ من تدعونه هو في أشد الحاجة إلى من يدعو الله له - ولو كان من أهل بيت النبوة رضي الله عنهم جميعا - وأقول لهم : هذا العمل يخرجكم من ملة الإسلام بالكلية ، لماذا تضيعون عليكم الدنيا والآخرة ؟ لماذا لا تتلذذون بدعاء الغني الحميد وحده ؟ فإذا قلتم : إنهم واسطة لنا عند الله عز وجل ، قلت لكم : هذه حجة كفار قريش في عبادة الأصنام ، قال تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] ، والعبد لا يحتاج إلى واسطة لدعوة خالقه ، قال تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[ البقرة : 186 ] ، فإن السؤال مع أنه كان موجها إلى النبي ، فقد جاءت الإجابة مباشرة من الله عز وجل ، إلى السائلين عنه بغير واسطة ، فلم يقل الله تعالى : قل : إني قريب ، فإذا جاءت إجابة السؤال بغير واسطة ، فكيف يشرع الدعاء بواسطة ، وهذا إيذان بأنه لا واسطة أبدا لمخلوق عند دعاء المولى سبحانه وتعالى .
وتدبر أخي القارئ بقية أسئلة القرآن ، مثل قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
[ البقرة : 189 ] ، وقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً
[ البقرة : 222 ] ، وقوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
[ البقرة : 219 ] ، فإذا قال قائل : أريد واسطة بيني وبين الله ، لكثرة ذنوبي وقلة طاعتي ، قلت له : ألم تسمع لقوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً