الفائدة الثالثة :
كان الصحابة الذين يعيشون مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة يتحرجون من سؤال النبي ، بينما لا يتحرج الأعراب من ذلك ، وذلك لتأثرهم بالبيئة التي يعيشون فيها ، وقلة صحبتهم للنبي ، وكان الصحابة يفرحون أن يأتي الأعرابي فيسأل النبي عن أشياء ، وهم جلوس يستمعون ، كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه : نهينا أن نسأل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن أشيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع . . . الحديث « 1 » .
الفائدة الرابعة :
في الدعاء :
أ - بيان أنّ الدعاء لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى
، فهو القادر وحده على جلب النفع ، ودفع الضر ، فمع قلة علم الأعراب وفقههم ، يدخل الأعرابي المسجد ، ويقول للرسول :
( فادع الله لنا ) ، ولو كان أحد يمكن أن يدعى من دون الله ، لكان أولى الناس بأن يدعى ، هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ لعظيم فضله ، ولكان أولى الناس أن يتوجهوا له بالدعاء ، هم أصحابه لأنهم أعلم الناس بمكانته ، فلما لم يفعل الصحابة ذلك ، مع وجود النبي صلى اللّه عليه وسلم بينهم ، علمنا قطعا أن الدعاء لا يكون إلا لله وحده ؛ لأنه من العبادة ، بل هو من أعظم العبادة ، قال تعالى :
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] فأطلق العبادة على الدعاء ، من باب إطلاق الكل على الجزء ؛ لبيان عظيم شأنه ، ولو كان أحد يدعى مع الله ، لبينت الآية ذلك ، ولكن الله قال :
ادْعُونِي
.
كما بينت الآية أن الدعاء من مقتضيات الربوبية ، فالرب هو الذي خلق ورزق وربى ، فكيف نتوجه لغيره بالدعاء ؟ ! لا شك أن ذلك من نواقض توحيد الرب تبارك وتعالى .
كما بينت الآية الكريمة الجزاء العظيم لمن يستكبر عن دعاء الرب تبارك وتعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
[ غافر : 60 ] .
ويتفرع على عدم جواز دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، عدم جواز دعاء غيره من باب أولى ، وقد بين الله تبارك وتعالى سخف من يدعو غيره ، فقال سبحانه وتعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
[ الإسراء : 57 ] ، فبينت الآية أن هؤلاء الذين يتوجه الناس إليهم بالدعاء ، هم أنفسهم يتقربون إلى الله بكل أنواع الطاعات تزلفا إليه وقربى ، كما بين الله سبحانه وتعالى في آية أخرى ضلال من يدعو أحدا غيره ، وذلك في قوله تعالى :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ، رقم ( 263 ) ، ومسلم ( 12 ) واللفظ له .