تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الطائي ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
فلمّا راه النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم والحصى يطير من تحت قدميه من شدّة عدوه ، وأبو بصير في أثره قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : قد رأى هذا ذعرا فلمّا انتهى إلى النبي قال له صلّى اللّه عليه واله وسلّم : ويحك مالك ؟ قال : إنّ صاحبك قتل صاحبي ، وأفلت منه ولم أكد ، وأني لمقتول فأغثني يا محمد ، فأمنه رسول اللّه ، وإذا بأبي بصير يدخل متوشحا سيفه يقول : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه وفيت ذمّتك أسلمتني بيد القوم ، وقد أمتنعت منهم بديني ، أن أفتن فيه أو يفتن بي . فقال صلّى اللّه عليه واله وسلّم له : إذهب حيث شئت . فقال : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم هذا سلب العامري الذي قتلته ، رحله وسيفه فخمّسه . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم : إذا خمّسته رأوني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه ، ولكن شأنك بسلب صاحبك ، وعند ذلك ذهبّ أبو بصير إلى محل من طريق تمرّ به عيرات قريش ، واجتمع اليه جمع من المسلمين المستضعفين ، الذين كانوا قد احتبسوا بمكّة إذ بلغهم خبره . وإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قال في حقّه « إنّه مسعر حرب لو كان معه رجال ، فتسلّلوا حينئذ إليه ، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو ، وخرج من مكّة في سبعين فارسا أسلموا ، فلحقوا بأبي بصير ، وكرهوا أن يقدموا على رسول اللّه في تلك المدّة - مدة المهادنة - وانضم إليهم ناس من غفار وجهينه وأسلم ، وطوائف أخر من العرب حتّى بلغوا ثلاثمائة مقاتل فقطعوا مارّة قريش ، لا يظفرون بأحد منها إلّا قتلوه ، ولا مرّ بهم عير إلّا أخذوها ، ومنعوا الدخول إلى مكّة والخروج منها . فاضطرّت قريش أن تكتب لرسول اللّه تسأله بالأرحام التي بينه وبينها ، ألا اواهم ، وأرسلت أبا سفيان بن حرب في ذلك ، فأبلغه أبو سفيان : أنّا أسقطنا هذا الشرط من شروط الهدنة ، فمن جاءك منهم فامسكه من غير حرج . وحينئذ كتب رسول اللّه إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه ، وأن يلحق من معهما من المسلمين بأهليهم ، ولا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش ، ولا لعيراتهم ، فقدم كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم عليهما وأبو بصير رضي اللّه عنه يموت فمات والكتاب في يده ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدا .