تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 639

مساهمون:

ص٦٣٩
والدنيا ، فجعل الحياة كلّها عبادة ، وجعل الأرض كلّها مسجدا ، وأخذ بيد الإنسان من معسكرات متحاربة متصارعة ، إلى جبهة واحدة واسعة من العمل الصالح ، وخدمة الإنسانية النافعة ، وابتغاء مرضاة اللّه ، فترى هناك ملوكا في أطمار الفقراء ، وزهّادا في زيّ الملوك والأمراء ، جبال حلم وينابيع علم ، عبّاد ليل وأحلاس خيل ، من غير تناقض أو صعوبة ، واختلال أو تعسّف .

6 - تعيين الأهداف والغايات وميادين العمل والكفاح :

المأثرة السادسة ، أو الانقلاب السادس الذي أحدثه محمّد صلى اللّه عليه وسلم في الحياة البشرية ، أنّه هدى الإنسان إلى محلّ لائق كريم يصرف فيه قواه ، ورفعه إلى أجواء فسيحة عالية يحلّق فيها . كان الإنسان قبل البعثة المحمديّة جاهلا لهدفه الحقيقيّ ، لا يدري إلى أين يتّجه ، وإلى أين المصير ؟ وما هو المجال الأفضل والحقيقيّ لمواهبه وطاقاته وجهوده ؟ إنّه وضع لنفسه مقاصد وهمية صناعية ، وحصر نفسه في دوائر ضيقة محدودة ، كانت تستنفد قواه وطاقاته وذكاءه ، وكان المثل الأعلى عنده للرجل الناجح واللامع من يكون أكثر جمعا ومالا ، وأوسع نفوذا وقوة ، متحكّما في أكبر مجموعة من البشر ، وأوسع بقعة من بقاع المعمورة . كان هناك ملايين لم يزد طموحهم على التمتّع بألوان زاهية ، وأصوات مطربة ، وأطعمة لذيذة ، وأكثر من تقليد البلبل في صوته ، أو الطاووس في لونه ، بل أكثر من مسايرة الماشية والغنم ، والأنعام والدوابّ . كان هناك آلاف عاشوا دائما بين بلاط الملوك ، وحاشيتهم ، وبذلوا نبوغهم وذكاءهم في التزلّف إلى الأمراء ، والتملّق أمام الأغنياء ، أو الخضوع للجبابرة