تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
السليمة ، وكبت للغرائز الطبيعيّة البريئة في الإنسان ، وكانت نتيجة هذا الصراع أنّ العدد الأكبر من أصحاب الفطنة والذكاء ، والكفاءات العلميّة ، آثر الدّنيا على الدين ، ورضي بها - كحاجة اجتماعيّة ، وواقع حيّ - واطمأنّ إليها ، وعكف على تحسين هذه الحياة ، والحصول على ملذّاتها ، ولم يبق له أمل في الرقيّ الدينيّ ، والتقدّم الروحيّ . وأكثر الذين هجروا الدين بصورة عامّة ، هجروه على أساس التناقض الذي حسبوه حقيقة بديهية مسلّمة ، وثار البلاط الذي كان يتزعّم الحكم الدنيويّ على الكنيسة التي كانت تمثّل الدين ، وتجرّد عن سائر قيوده ، فصارت الحكومات - بطبيعة المنطق - كفيل هائج مائج ، تخلّص من سلاسله وقيوده ، أو كجمل هائم ، حبله على غاربه ، هذا الانفصال النكد بين الدين والدنيا ، وذلك العداء المشؤوم بين « رجال الدين ورجال الدنيا » فتح الباب على مصراعيه للإلحاد واللادينية ، وكانت فريسته الغرب أولا ، والأمم التي دانت له في الفكر والعلم والثقافة ، أو عاشت تحت رايته ثانيا . وزاد الطّين بلّة دعاة المسيحيّة المتطرّفون والمفرطون ، الذين كانوا يعتبرون الفطرة البشريّة أكبر عائق في التزكية الروحية والاتصال بالسماء ، والذين لم يدّخروا وسعا في إذلالها وتعذيبها بأنواع من الأحكام القاسية والتعاليم الجائرة « 1 » وقدّموا صورة وحشيّة كالحة مفزعة للدين ، تقشعرّ منها جلود الذين آمنوا ، وآل الأمر في نهاية الشوط إلى تقلّص ظلّ الدين ، وبلغت عبادة النفس والهوى - في أوسع معناها - إلى ذروتها ، وأصبحت الدّنيا تتأرجح بين طرفي نقيض ، ثمّ سقطت أخيرا بضعف الوازع الدينيّ ، أو فقدان
هامش
( 1 ) انظر « تاريخ أخلاق أوربة » ، ج 2 ، لمؤلّفه ليكي .