تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
ولم يكن ذلك إلّا من حكمة إلهيّة ، وتمحيصا لأنفسهم ، وتربية للمسلمين ، وإنّما هو التسويف ، وضعف الإرادة ، والاعتماد الزائد على الوسائل الموجودة وعدم الجدّ والإسراع في الأمر ، وكم جنى ذلك على أناس لم يكونوا أقلّ من إخوانهم إيمانا وحبا للّه ولرسوله ، وذلك ما عبّر عنه ثالث ثلاثتهم كعب بن مالك بقوله : « فطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم ، فأرجع ولم أقض شيئا . . فأقول في نفسي ، أنا قادر عليه ، ولم يزل يتمادى بي ، حتّى اشتدّ الجدّ ، فأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، فقلت : أتجهّز بعده بيوم أو يومين ، ثمّ ألحقهم ، فغدوت - بعد أن فصلوا - لأتجهّز فرجعت ولم أقض شيئا ، ثمّ غدوت فرجعت فلم أقض شيئا . فلم يزل بي حتّى أسرعوا ، وتفارط الغزو ، وهممت أن أرتحل فأدركهم ، وليتني فعلت ، فلم يقدّر لي ذلك » « 1 » . وقد امتحن اللّه إيمان هؤلاء الثلاثة ، ومدى حبّهم للرسول صلى اللّه عليه وسلم ووفائهم للإسلام ، والبقاء عليه في السرّاء والضرّاء ، وإكرام الناس وجفوتهم ، وفي حال إقبال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإعراضه امتحانا قلّ نظيره في تاريخ المجتمعات
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ، في كتاب المغازي [ باب حديث كعب بن مالك . . . ، برقم ( 4418 ) ، ومسلم في كتاب التوبة ، باب حديث توبة كعب بن مالك ، برقم ( 2769 ) ، وأبو داود في كتاب الإيمان والنذور ، باب فيمن نذر أن يتصدّق بماله ، برقم ( 3321 ) ، والنّسائي في الطلاق ، باب الحقي بأهلك . . ، برقم ( 3451 ) و ( 3452 ) ، وعبد الرزاق في المصنّف ، برقم ( 9744 ) ، وابن أبي شيبة في المصنّف ، برقم ( 18853 ) ، وابن هشام في السيرة ( 2 / 531 ) ، وابن جرير في التفسير ( 11 / 58 ) ، وابن كثير في السيرة ( 4 / 42 - 48 ) ، والبيهقي في دلائل النبوة ( 5 / 273 - 279 ) وغيرهم من حديث كعب بن مالك رضي اللّه عنه ] .