وكلّ ذلك لم يؤثّر في رابطة الحبّ والولاء ، التي كانت تربطه برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يؤثّر كذلك في عطف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليه ورأفته به ، بل لم يزده هذا العتاب إلّا رسوخا في المحبة ، ولوعة ، وجوى ، يقول :
« وآتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلّم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا ؟ ثمّ أصلّي قريبا منه ، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل عليّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي » .
فتنكّرت له الدّنيا وأعرض عنه من كانت له دالّة عليه ، يقول : « حتّى إذا طال عليّ ذلك من جفوة النّاس ، مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ ، فسلّمت عليه ، فو اللّه ما ردّ عليّ السلام ، فقلت : يا أبا قتادة ! أنشدك باللّه هل تعلمني أحبّ اللّه ورسوله ؟ فسكت فعدت له ، فنشدته ، فسكت ، فقال : اللّه ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي ، وتولّيت حتّى تسوّرت الجدار » « 1 » .
ولم يقتصر الأمر على ذلك ، بل تعدّى إلى أزواج هؤلاء الثلاثة ، فأمروا أن يعتزلوهنّ ، ففعلوا .
وجاءت أدقّ مرحلة من مراحل هذا الامتحان للحبّ والوفاء ، والثبات والاستقامة ، وذلك حين خطب ودّه ملك غسان ، الذي كانت منادمته وحضور مجلسه شرفا يتنافس فيه المتنافسون ، ويتغنّى به شعراء العرب سنين طوالا « 2 » ، فجاءه - وهو في ضيق النفس ، وجفوة النّاس ، وإعراض
هامش
- قليل ] .
( 1 ) حديث كعب بن مالك في صحيح البخاري [ قد سبق تخريجه قبل قليل في صفحة ( 492 ) ] .
( 2 ) اقرأ قصيدة حسان بن ثابت الأنصاري في مدح آل جفنة ، يقول فيها : [ من الكامل ]للّه درّ عصابة نادمتهم * يوما بجلّق في الزمان الأوّل-