وبلغ أبا سفيان مخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقصده إياه ، فأرسل إلى مكة مستصرخا لقريش ليمنعوه من المسلمين ، وبلغ الصريخ أهل مكّة ، فجدّ جدّهم ، ونهضوا مسرعين ولم يتخلّف من أشرافهم أحد ، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب ، ولم يتخلّف عنهم أحد من بطون قريش إلا القليل النادر ، وجاؤوا على حميّة ، وغضب ، وحنق .
تجاوب الأنصار وتفانيهم في الطاعة :
ولمّا بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خروج قريش استشار أصحابه ، وكان يعني الأنصار لأنهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم ، فلمّا عزم على الخروج من المدينة ، أراد أن يعلم ما عندهم ، فتكلم المهاجرون ، فأحسنوا ، ثمّ استشارهم ثانيا فتكلّموا أيضا فأحسنوا ، ثمّ استشارهم ثالثا ، ففهمت الأنصار
هامش
- فكان هنالك إمكانان متبائنان : إما هجوم المسلمين على الركب التجاري ، وإما مواجهة زحف قريش ، فكان من الطبيعي أن يؤثر العدد الغالب من الخارجين من المدينة مواجهة الركب التجاري فقط بطبيعة الحال ، ومقتضى الفطرة ، ويقضي اللّه بترجيح الجانب المقابل ، وهو وقوع الضربة الموجعة الحاسمة على أعداء الإسلام المغيرين ، وإشعارهم بما للإسلام والمسلمين من مستقبل زاهر . وقد سبق ذلك نزول الآية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [ الأنفال : 7 - 8 ] . وقد روى الطبريّ في ( التفسير ) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قال : « أقبلت عير أهل مكة - يريد من الشام - فبلغ أهل المدينة ذلك ، فخرجوا ومعهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريدون العير ، فبلغ ذلك أهل مكة ، فسارعوا السير إليها ، لا يغلب عليها النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فسبقت العير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان اللّه وعدهم إحدى الطائفتين ، فكانوا أن يلقوا العير أحبّ إليهم ، وأيسر شوكة ، وأحضر مغنما ، فلما سبقت العير ، وفاتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، سار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم ، فكره القوم مسيرهم لشوكة في القوم .