أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
[ الأنفال : 26 ] .
فلمّا انتقل الإسلام إلى المدينة واستقرّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فيها ، وبدأ الإسلام ينتشر ، ويزحف ، ويعلو ، وقام المجتمع الإسلاميّ بجميع لوازمه ، تغير الوضع ونجم النفاق ورفع رأسه ، وكان ظاهرة طبيعية نفسية لا بدّ منها ، فإنّما تظهر بادرة « النفاق » في بيئة تجمع بين دعوتين متنافستين ، وقيادتين متقابلتين ، هناك يوجد عنصر مضطرب يتأرجح بين هاتين الدعوتين ، ويتردد في إيثار إحداهما على الآخرى ، وقد ينحاز إلى دعوة ، فيكون في معسكرها ، ويعطيها ولاءه وحبّه العاطفيّ ، إلا أنّ مصالحه المادية ، وانتشار الدعوة المقابلة وانتصارها ، لا يسمح له بإعلان موقفه ، والانضواء إلى الدعوة الأولى ، وقطعه للحبال التي تربطه ببيئته الأولى ، وقد صوّر القرآن هذا الموقف المضطرب تصويرا دقيقا ، فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
[ الحج : 11 ] ، وهم الذين وصفهم بقوله :
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
[ النساء : 143 ] .
وكان على رأس هؤلاء المنافقين الذين كانوا من الأوس والخزرج واليهود عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول ، اتفقوا بعد حرب بعاث على أن يولّوه الرئاسة ويتوّجوه ، وكان قد تمّ له كلّ ذلك إذ جاء الإسلام ، وصار النّاس يدخلون في دين اللّه أفواجا ، فشرق به وكرهه كرها شديدا ، قال ابن هشام : « قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، وسيّد أهلها عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول العوفيّ . . لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل غيره من أحد الفريقين ، حتى جاء الإسلام ، وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ، ثمّ يملكوه عليهم ،