فجاءهم اللّه تعالى برسوله صلى اللّه عليه وسلم وهم على ذلك ، فلمّا انصرف قومه عنه إلى الإسلام ، ضغن « 1 » ، ورأى أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد استلبه ملكا ، فلمّا رأى قومه قد أبوا إلّا الإسلام دخل فيه كارها ، مصرّا على نفاق وضغن » « 2 » .
وعادى الإسلام كلّ من كان في قلبه مرض ، وفي السيادة طمع ، وضاق ذرعا بهذا الدّين الزاحف ، الذي هدم كلّ ما بناه ، ونقض كلّ ما أبرمه ، وجعل للمدينة شأنا غير الشأن ، ومن المهاجرين والأنصار أمة جديدة ، ألّف بين قلوبها ، وبذلت نفوسها دون الرسول ، وقدّمت محبّته على محبة الآباء والأبناء والأزواج ، فامتلأت قلوب هؤلاء المنافقين غيظا وحسدا ، فصاروا يكيدون له ، ويتربّصون به الدوائر ، ويقلّبون له الأمور ، وتكونت في المدينة جبهة معادية ، متسرّبة في المجتمع الإسلاميّ ، وكان على المسلمين أن يكونوا منها على حذر دائما ، فقد تكون أشدّ خطرا على الإسلام والمسلمين من الأعداء المجاهرين ، ومن هنا زخر القرآن بذكرهم وإزاحة السّتار عنهم ، وكان لهم مع الإسلام وللإسلام معهم شأن ، ويتردّد ذكرهم في كتب السيرة ، وفي هذا الكتاب .
طلائع عداء اليهود :
وبدت طلائع عداء اليهود للإسلام بعد ما كان موقفهم موقف الحياد من المسلمين والمشركين من أهل مكة والمدينة ، وربّما كانوا أميل إلى الإسلام
هامش
( 1 ) الضّغن : الحقد والعداوة والبغضاء ، وكذلك الضّغينة .
( 2 ) سيرة ابن هشام : ج 1 ؛ ص 584 - 585 [ وأخرجه البخاريّ في كتاب التفسير ، باب وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . . . ، برقم ( 4566 ) ، ومسلم في كتاب الجهاد ، باب في دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وصبره على أذى المنافقين ، برقم ( 1798 ) من حديث أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما ] .