الممطورة ، والأماكن التي خرجت فيها المياه الجوفيّة عيونا وينابيع ، أو قاربت المياه فيها سطح الأرض فأمكن حفر الآبار فيها .
فالحياة في جزيرة العرب ، هي هبة الماء ، فكانت القوافل تؤمّه ، وإليه كانت الطبيعة تقذف بالأعراب من كلّ مكان ، وكانوا لا يرتبطون بالأرض ارتباط المزارع بأرضه ، فلا يستقرّون في مكان إلّا إذا وجدوا فيه الكلأ والماء ، فإذا جفّ الكلأ ، وقلّ الماء ارتحلوا إلى مواضع جديدة .
ولذلك صارت حياتهم حياة قاسية ، يتمثّل مجتمعهم في القبيلة ، فالقبيلة هي الحكومة والقوميّة في نظر البدويّ ، وكانت هذه الحياة لا تعرف الرّاحة والاستقرار ، ولا تعترف إلا بمنطق القوّة ، حياة جلبت المشقّة لأصحابها ، والمشقّة لمن يقيم على مقربة منهم من الحضر ، فهم في نزاع دائم فيما بينهم ، ثمّ هم في نزاع مع الحضر .
ولكنّ العربيّ من ناحية أخرى مخلص ، مطيع لتقاليد قبيلته ، كريم يؤدّي واجبات الضّيافة ، والمحالفة في الحروب ، كما يؤدّي واجبات الصّداقة ، مخلصا في أدائها ، بحسب ما رسمه العرف ، وقد نطق به شعرهم ، وزخر به أدبهم ، من حكم وأمثال ، ومثل ، وقيم .
والعربيّ يحبّ المساواة ، ويعشق الحرّية ، وهو رجل جادّ ، صارم ، قلّ في مجتمعه الإسفاف ، محافظ ، متمسّك بحياته ، معتزّ بما كتب له ، وإن كانت حياة خشونة وصعوبة .
والممعن في البداوة منهم ضعيف الإيمان بدين ، قلّ أن يؤمن إلّا بتقاليد قبيلته ، وما ورثه عن آبائه ، مثله الأعلى في الأخلاق تركّز فيما سمّاه المروءة ، وتغنّى بها في شعره وأدبه .
السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 111
مساهمون: السيد علي الحسني الندوي
ص١١١