على راحلته معتجرا ، وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا للّه حين رأى ما أكرمه اللّه به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرّحل » « 1 » .
وكذلك دوما في كل تصرفاته . وكان صلى اللّه عليه وسلّم يقوم الليل حتى تفطرت قدماه ، فقالت له عائشة رضي اللّه عنها : تصنع هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : « أفلا أكون عبدا شكورا » « 2 » .
ومعلوم - طبيعيا - أن التوجه في كل ذلك إلى اللّه تعالى وحب لقائه وثوابه في نعيم الآخرة
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 54 - 55 ] . وغدا هذا هو بناء الصحابة الكرام إلى حد أن أصبح لديهم طبيعة لا يفكرون فيه فهم يصدرون عنه ويردون . فحين حضرت الوفاة أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه ( 22 جمادى الآخرة سنة 13 ه ) أي حين كان يحتضر دخلت عليه عائشة رضي اللّه عنها وكان يعاني سكرات الموت ، هي معاناة حقة . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول : « سبحان اللّه إن للموت لسكرات » « 3 » . فلما رأت عائشة رضي اللّه عنها ذلك قالت لأبيها أبي بكر متمثلة بقول الشاعر :
لعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليها أبو بكر معاتبا غير راض ، ثم قال لها : لا تقولي هكذا ، ولكن قولي :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
[ ق : 19 ] .
كان همّ الصحابة الكرام - رضي اللّه عنهم أجمعين - الآخرة ورضا اللّه تعالى وحسن لقائه . وفي كل أحوالهم ، وقدوتهم وأسوتهم الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم . فلا يصدر عنهم في كل ذلك إلا ما يرضي اللّه تعالى حتى في مزاحهم ولهوهم وغنائهم ، وهو أمر طبيعي لا يتكلفونه .
هامش
( 1 ) السيرة النبوية ، ابن هشام ، ( 3 / 405 ) . العثنون : طرف اللحية .
( 2 ) رواه البخاري . السيرة النبوية ، أبو شهبة ، ( 2 / 633 ) .
( 3 ) التفسير ، ( 6 / 3364 ) .