وإلى أشق الأمور جميعا . ويتخفف أحيانا ، حتى لا تكون رتيبة ، قد تصل إلى حد الفرض فيما تبدو للمسلمين ، فيأخذونها كذلك .
وفي هذا جانبان من روائع البناء الإيماني :
الأول : ما يخص النبوة الكريمة ، وإلى أي مدى إيماني يدفعها ويرفعها إلى هذه الآفاق الوضيئة ، فتأخذ بالتطوع حتى لكأنها فروض تستمر في القيام بها . فهو صلّى اللّه عليه وسلّم أتقى الخلق للّه تعالى ، وأخشاهم له ، وأعبدهم له سبحانه .
فيقول صلّى اللّه عليه وسلم : « فو اللّه لأنا أعلمهم باللّه ، وأشدّهم له خشية » « 1 » . ولعله لأنه صلى اللّه عليه وسلّم أعلمهم باللّه فهو أخشاهم له . وهذا يعني أن المسلم كلما كان أعلم باللّه وشرعه زادت خشيته له ، وهذا الأمر طردي .
إنها نبوة كريمة ، تبقى الأسوة الحسنة طول الآماد والأزمان والإرفاد
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
[ الأحزاب : 21 ] .
الثاني : ما يخصّ الصحابة الكرام وإلى أي حد هم متابعون للرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلم ، ويقدمون على الأخذ به دوما ، حتى بالتطوع ، لمجرد ما يرون فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، مهما بدا ، وكان ذلك شاقا ، حتى في التطوع بل حتى بالفروض « 2 » .
والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعرف ذلك من أصحابه الكرام أعرف وأعمق وأدق معرفة « 3 » ؛ ولذلك كان يشفق عليهم فلا يحملهم في هذه الأحوال أحمالا ، وإن تحملتها طاقتهم التي لا حدود لها .
ولم يكن هذا فقط في العبادات ، بل حتى في الجهاد والإنفاق في سبيل اللّه تعالى ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم يعرف مقدار بذلهم وإقدامهم واحتمالهم فيه ، فهم قد
هامش
( 1 ) مسلم ، رقم ( 2356 ) .
( 2 ) انظر : أعلاه ، ص 136 - 138 .
( 3 ) انظر : أعلاه ، ص 95 - 96 ، 137 ، 143 .