وهذا التصريف لها ترى فيه صياغتها مستوعبة التعاليم محوّلة إلى واقع عملي . خذ مثلا الأحداث الاعتيادية اليومية في مكة والمدينة كلها في أية شريحة أو مقطع أو جزء تجدها ناطقة بذلك . والمعارك والأحداث وتوسع الدعوة وانتشارها . ذلك واضح في شدة الأمور ودرجاتها ومسيرتها ونصرها وفي مشقاتها وتيسراتها . وهي خلال ذلك لا تكشف عن حقيقة الإيمان وطبيعته وآثاره فحسب ، بل تكشف لك أيضا طبيعة الكفر والعدو ، سر معها خطوة خطوة منذ البداية يوميا .
عسر الدعوة ومشقاتها وأساليب حرب الأعداء لها ، والمؤمنون وصبرهم واحتمالهم واستشهادهم ، ورفض الآخرين لها وتنوع استجاباتهم وتحجر مجالاتها أحيانا ، كما في مكة والطائف ، حتى يصل لليأس ، لولا أنها نبوّة لا تعرف اليأس بأي حال ، بل تستمر بذلك . وهذا دليل على أنها نبوة من اللّه تعالى وإن كان كل ما فيها على ذلك دليل .
وإذا بدون ترقب ، وبكل يسر وسهولة يسلم الستة الأوائل من الخزرج من أهل المدينة ، ثم يستمر ذلك حتى كانت البيعات والهجرة والنصرة .
وكلها بشكل قوي ، العداء والولاء سواء . ثم أحداث المدينة بكل ألوانها ، الحربية وغيرها . وخذ أي قطع من هذا وذلك ، تجد أن يد القدرة الإلهية من ورائها وأداتها المجتمع وأفراده وأحداثه تجري في اتجاهه .
خذ بدرا وكيف أن المسلمين خرجوا للقافلة
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ
[ الأنفال : 7 ] . ثم تفلت القافلة فيكون اللقاء والحرب وتكون النتيجة المعروفة
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ آل عمران : 123 ] « 1 » .
وانظر فتح مكة حيث كانت معاهدة صلح الحديبية عشر سنوات ، وكيف
هامش
( 1 ) انظر : سورة التوبة : 25 .