فما القول في أن ينتصر جمع قليل - هم حفنة - بخبرة محدودة ، إن وجدت ، وبإمانيات ضعيفة ومهيّات أولية ، على جموع مؤلّفة ضخمة ، ذات خبرة ومجد تاريخي قديم وعدة متقدمة عالية ، هي أشبه بالدول الغربية اليوم التي تمتلك التقنيات بل والخطط والخبرات ، تجعلها مترقية متقدمة تأخذ بالمبادرة .
كانت تلك الجولات تقوم وتتم أيضا في أرضها التي تعرفها وتجيد هي الانتفاع بأحوالها وتضاريسها وأجوائها ومناخها ، مع روح معنوية عالية ، مستهينة بهذه الحفنة القليلة . ومع ذلك يكون الانتصار لهذه الحفنة القلة ، والاندحار للكثرة بكل إمكانياتها .
لو أن هذا جرى في معترك واحد فهو يشير إلى سر كامن ، فيه المؤشر على نوعية هذه القلة . فكيف إذا استخرجنا قاعدة لا نكاد نجد لها شذوذا أو تخلفا أو توقفا ، هو أن جميع المعارك ومع كافة الأقوام - ابتداء من سيرة رسول اللّه الكريم صلّى اللّه عليه وسلم - كان عدد المسلمين أقل وعدتهم وخبرتهم وكل المتطلبات اللازمة في تلك المواجهات والمعتركات ، ومع ذلك يكون لهم الانتصار . والحقيقة أن هذا كان من بعد الهجرة النبوية الشريفة وعلى مدار التاريخ .
ربما يمكنني أن أقول : إن هذا نفسه كان في العهد المكي ، وإن لم تكن فيه مثل تلك المعتركات - وإن كانت بحاجة إلى قوة إيمانية لا تقل عن تلك - لكن الحقيقة أن كان الانتصار الباهر النادر للمسلمين .
أية قوة امتلكتها هذه المرأة المسلمة ، جارية بني مؤمّل - حي من بني عديّ بن كعب - ومن أين أتتها وهي أمة ( عبدة ) تباع وتشترى وتضرب بالعصا أو بالحربة قتلا ، إذا اقتضى ( كما جرى لسمية أم عمار بن ياسر ) .
فكان عمر بن الخطاب يعذبها كل يوم - قبل إسلامه طبعا - حتى يملّ فيقول لها : ما تركتك رحمة بك بل مللا منك ، فتقول له : ستبقى كذلك
السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 380
مساهمون: عبد الرحمن علي جحي
ص٣٨٠