تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
أنهما - وعلى انفراد - ما كان بهما ضعف معنوي أو مادي ، لا سيما عن مواجهة هؤلاء الحفنة الذين كانوا خاضعين لهم دوما . بل على العكس كانوا يحسبون - كلّا على انفراد - أنهم سينتهون من موضوع هذه الدعوة الإسلامية في أقصر وقت ، ويعدّ بالأيام وبأقل جهد وأدنى مؤونة . بجانب أنه ما كان يخطر على بال أحد أن هؤلاء العرب ممكن أن يفكروا في مواجهة أيّ من هاتين الدولتين . كيف وهم كانوا مستعبدين لهم وعملاء ( المناذرة للفرس والغساسنة للروم ) ، فما كانوا يفكرون في حربهم ، وما لهم بهم طاقة . لكن الذي حدث لم يصدقه أهل ذلك الزمان ، ولا يصدقه أهل أي زمان ، لولا أنه وقع فعلا « 1 » . وكان أيضا من أثر ذلك ليس جريان هذه الأحداث فحسب ، بل تبدل الحياة وآفاقها وطبيعتها ومثلها وإنسانها ، التي تثبتت في نفوسهم وما كادوا يتصورون غيرها . إذا فما الذي أحدثه هذا الدين بتربيتهم على منهج اللّه تعالى ، وبيد الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلم . فأي رسول كان هو ، باستحقاق هو سيد المرسلين وإمامهم . وهو كما وصفه رب العالمين
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] . ومع أني لم أقدّم الأحداث والوقائع في هذه الخاتمة ، الأحداث التي مر عرضها - أو كثير منها - فيما سبق من مباحث ، لكن مع ذلك فإن هذه الشروح مستنبطة وقائمة ومستمدة من الأحداث والوقائع والصنائع التي مضت رتيبة منسابة طيبة ، لا يكاد يجد أحد شذوذا فيها . مما يجعل أن طبيعة الأفراد في ذلك المجتمع المسلم كانت طبيعة مستقرة متجانسة ذات بناء رصين طيب متناسق ، في أفراده وفي تجمعاته . جرى ذلك رغم التناقضات العميقة المتجذّرة والاختلافات الغائرة وحروبها المدمرة والتحالفات المتأصلة ، التي كانت بينهم قبل الإسلام .
هامش
( 1 ) انظر : أعلاه ، ( 81 - 83 ) وبعدها .