تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
الكريمة رفعهم وبهذا المنهج التقطهم من سفح الجاهلية المتدني ومستنقعاتها الآسنة « 1 » ، وارتقى بهم برفق إلى قمم لا يعرفها أحد ، وما عرفها إلا بهذا الدين . وحتى لو عرفها ليس من السهل - أو بالأحرى لا يكون ممكنا بحال أبدا - ارتقاؤها والوقوف عندها ، في كل صيغ الحياة وميادينها ومعتركاتها . تجدهم في الأمور كلها على ذلك المستوى العجيب في البذل والعطاء والإقدام والعفة والوفاء والكرم والصبر والاحتمال والجهاد والفداء ، جنديا كان أو قائدا حاكما أو محكوما تابعا أو متبوعا ، بل حتى مذنبا ومعاقبا ومحروما . فانظر إلى قضية المثنى بن حارثة الشيباني ( 14 ه ) وخالد بن الوليد ( 21 ه ) وأبو عبيدة بن الجراح ( 18 ه ) وعديّ بن النّعمان « 2 » ، ثم انظر إلى تلك الغامدية وماعز وأبي محجن والبكائين ومواقفهم . حتى حين كان يرتكب المسلم إثما - قياسا إلى إيمانه - فذلك إنما يقوده لخير ، ويثمر لديه ارتقاء جديدا ، كما في قصة أبي لبابة وما أدركه واعتبره ذنبا « 3 » . والإثم نفسه كان يوزن - لديهم - بمقدار الإيمان ، وقد يكون في الآخرين ، حتى لا يوصف بأنه ذنب ، كالذين تخلفوا في غزوة تبوك « 4 » ، انظر مواقفهم وهي في حالة الضعف المردي المتردي . ليس هذا كأفراد لكن ( أركز ) كمجتمع . والأمجاد التي تواجهها لا تحسبها أفرادا - وهي كذلك تكوّن المجتمع - ولكن ( اركز ) المجتمع . لا يأخذه النصر ولا تقعده الهزيمة والشدة . والأمر تساوى وروافده له في أول الدعوة ، وهي مطاردة أو يوم انتصرت وحققت . ففي مكة مرت سنوات كان كل من يأتي إلى الدعوة الإسلامية يوضع
هامش
( 1 ) انظر : التفسير ، ( 2 / 44 - 845 ) وبعدها ، ( 3 / 1548 ) . ( 2 ) عنه انظر : أعلاه ، 170 . ( 3 ) السيرة النبوية ، أبو شهبة ، ( 2 / 407 - 408 ) . ( 4 ) السيرة النبوية ، أبو شهبة ، ( 2 / 511 - 518 ) .