ولكن المعجزة هنا متضامنة متضمنة متداخلة « 1 » .
أما المعجزات الآخرى التي أتمها وأجراها اللّه تعالى على يديه ، ورآها صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المعجزات ، وكذلك المعجزات الإخبارية ( الغيبية ) التي كان صلّى اللّه عليه وسلّم يلقيها ، بما كشف اللّه تعالى له ، سواء من معرفة الأشخاص أو دعاء لأحد أو على أحد بإنجاز ، منعا وتثبيتا ، أو بإخبار من الأحداث ، كان الصحابة يعرفون ذلك . مثلما ورد عن عديّ بن حاتم « 2 » ، وبعضها كانوا يستغربونها أو يستفسرونها لجدّتها ، ومثلما جرى لسراقة بن مالك بن جعشم . بل إن ذلك كان مفهوما حتى لغير المسلمين ، بل - وأكثر من ذلك - لمن كانوا يحاربونه ، كما جرى لأبي بن خلف وأخيه أمية وأبي لهب ( عمه ) « 3 » .
وهذه المعاني يكفي أن ترى - من خلال صحبة هذه السيرة - ليس علما يتابع أو يدرس أو يؤلّف أو يحاضر ، لكن من خلال المعايشة العملية والوقوف في ميادينها ، مستشعرا معانيها ملتصقا بمبانيها معبرا عن تطبيقاتها ، بشمول وتكامل وامتداد . والحق أن هذا هو أحد مضامين الهدف المرجو من وراء دراسة السيرة النبوية الشريفة .
وعلى هذا ربما أجد المبرر فيما أردده ، من أن كثرة كاثرة من المسلمين لا يعرفون سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأقول : دعوني أزعم ذلك . وهذا في حالة ما يمكن ألا يكون كثرة يستسلمون لهذه المقولة ولا يقرّون بها ويرونها مبالغة وبعيدة .
فكانت السيرة النبوية الشريفة أعلى مرتقى للإنسانية في صياغة الإنسان .
هامش
( 1 ) انظر : هنا ، ( 70 - 71 ، 82 ، 375 ، 377 ) .
( 2 ) انظر : سير أعلام النبلاء ، ( 3 / 164 ) .
( 3 ) السيرة النبوية ، ابن هشام ، ( 1 / 652 ) ، ( 3 / 84 ) . السيرة النبوية ، الذهبي ، ( 1 / 184 - 185 ) . السيرة النبوية ، أبو شهبة ، ( 2 / 126 ) ، ( 199 ) . انظر كذلك : أعلاه .