دوما - يلجؤون إلى كل الوسائل ، دون النظر إلى صلتها بمثل أو قانون أو عرف ، حتى تلك التي وضعوها ، أو ادّعوا التعامل معها . وهكذا دينهم وديدنهم ، في كل الأمور ، لا ترتبط بشيء غير مصلحتهم . وكلما يدّعون ، أو يضعون من قوانين إنما هي لحماية هذه المصلحة ، ويوم تعوّقها يدوسونها ، ومع كل ذلك إذا فشلوا في شيء لمصلحتهم اتبعوا سبيل القتل والإبادة ، لا يصدّهم عن ذلك وأكثر منه شيء .
وهكذا فعلت قريش ، ودبّرت له ، رغم أنهم يتعاملون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المعروف لديهم ، وهو يدعوهم إلى اللّه ، ودعوته الحقة الخيرة ، يفعلون ذلك ظنا أنهم يقضون على هذه الدعوة المباركة ، وهيهات !
تقع المدينة المنورة بما يزيد على ( 450 ) كم شمال مكة المكرمة ، لكن الركب الميمون - ركب الإنسانية ، الذي يضمّ أو يحمل مستقبلها ، كما أراد اللّه الكريم الرحيم لها - اتجه نحو الجنوب ، حيث وصل غار ثور - بعد خمس كيلومترات من المسير - في الليل من يوم الخميس . فدخلا ذلك الغار في أعلى الجبل ، والطريق إليه وعر شديد . وبعد ثلاثة أيام - قضوها في انتظار أن يخف الطلب ، وفي إعداد للزاد والأخبار رائع جميل - بدأ الركب الميمون السير الحثيث - بدليل مكيث - ليلة الاثنين « 1 » متّجها نحو المدينة المنورة ، في رحلة مباركة تحمل هداية الإنسانية ، التي أرادها اللّه سبحانه وتعالى .
حاز آل أبي بكر عظيم الشرف في الهجرة ، إلى ما حازوه من قبل ومن بعد ، فعائشة وأسماء ذات النّطاقين تكفّلتا بالطعام ، وعبد اللّه الشاب الثّقف اللّقن ( الحاذق اللّماع الفطن ) « 2 » ينقل أخبار قريش ، ويبيت عند الغار ليصبح في مكة وكأنه نائم فيها ، وراع يتولّى السير خلفه كيلا يعرف له
هامش
( 1 ) انظر : المسند ( 1 / 277 ) ( جديدة رقم 2506 / 4 ) . سبل الهدى ( 3 / 360 ، 377 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري : كتاب : فضائل الصحابة ، باب : هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، رقم ( 3692 - 3694 ) . سيرة ابن هشام ( 1 / 486 ) .