الأخلاق ، ألّا تجد قريش أكثر أمانة وصدقا وثقة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تضع عنده أماناتهم ، وهم يقاتلونه ويحاربون دينه والمؤمنين به ، ويحضّرون لقتله ، ويعدّون لإبادة دينه ، ولا يخشون على أماناتهم وهي عنده ؟ ! إنه حقا لأمر فريد ، جدّ فريد وجديد .
إنه لأمر عجيب من الناحيتين : من ناحية الكفار ، أنهم يفعلون ذلك ، ولا يجد هذا الصدق والتفرد في الفضائل التي كانت بدعوة اللّه ، فلا يفتحون لها القلوب ، ومن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يراهم كذلك ، ويؤدي لهم أماناتهم ، وهذه أكبرهما وأعجبهما ، ومن أجله استأمنوه ، وإلى هذا الحد .
* هذه أخلاق القرآن :
فتلك أخلاق القرآن ، وهو أمر لا يمكن أن نجده في غيره ، وشتان بين هذه وتلك : الإيمان والكفر . وهذا فيه دليل على أمر آخر مهم ، هو أن قريشا كلها - أو أكثر منها ، ومنهم أولئك الذين كانوا يحاربونه - كانوا متأكدين من صدقه في الحياة ، ومن صدق نبوته ، ومع ذلك فلا يؤمنون به ، فهم الذين أطلقوا عليه قبل النبوة ( الصادق الأمين ) ، وهو حجّة عليهم .
وحين سأل أحدهم أبا جهل : أمحمد صادق أم كاذب ؟ قال له : ويحك إن محمدا لا يكذب قط « 1 » . ثم هم لا يؤمنون
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] .
* تعدد دروب النفس :
ويأتي من ذلك شيء : هو أن القناعة العقلية وحدها لا تكفي دائما لقبول الحق والخير ، وإذا كفت فكفايتها باردة أو هامدة ؛ لأن الإنسان متعدد
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ( 7 / 182 ) ( الجديدة ، 11 / 333 ) . ( 2 / 1075 ) . خلال تفسير الآية الكريمة : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] .