تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
لمكافحة هذه الآفة ، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقم واع أبدا ؟ ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصيلة قديمة ، تتعلق بها تقاليد اجتماعية ، كما تتعلق بها مصالح اقتصادية ؟ لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن ! وعلى مراحل ، وفي رفق وتؤدة . وكسب المعركة ، دون حرب ودون تضحيات ودون إراقة دماء . والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها ، وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين - حين سمعوا آية التحريم - فمجّوها من أفواههم ولم يبلعوها ! ! لقد اتبع الإسلام - وهو دين اللّه تعالى - أسلوب التدرج أمام هذه القضية . علما أن هذا مرتبط بنوع البناء والتربية الربانية للجماعة المسلمة ، وما كان يثمر أبدا ، لا هذا ولا غيره بدون هذه القاعدة الإسلامية الصّلبة . ولقد كان للتحريم مراحل سبقت ومهدت له ، حتى بات المسلمون هم أنفسهم يطلبون البيان الشافي في هذا ويستعدون ، بل ويتمنون تحريمها . وهذه السّمة والعلامة والاتجاه هو ما أسميه الاستعداد المسبق المتقابل الذي يجعل النفس المسلمة ذاتها - بتربيتها - تطلب الوقوف عند الصيغ الإسلامية قبل الأمر بها ، فإذا ما جاء ذلك الأمر كان التنفيذ سريعا . وهذا ما يجعله ترنو إليه بما تربت عليه قبل الأمر به ، وعند ذلك يكون سبّاقا في قبوله وانطلاقه له ، بل وفرحا بالأخذ به حريصا عليه ، ومن فوق هذا الأفق الكريم المتسامي في امتثاله . جرى لتحريم الخمر ثلاث أو أربع مراحل ، وذلك بعد بناء هذه النفس المسلمة ومجتمعها على كلمة التوحيد الخالص للّه تعالى في العقيدة والعبادة والشريعة ، وهو معنى ومحتوى ومقتضى كلمة « لا إله إلا اللّه » ، الكلمة التي لا يقدّم عليها شيء ولا يفوقها ولا يقوم قبلها . وكل أمر يا بنى عليها ، بعد قيامها في النفس .
السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 162 | عبد الرحمن علي جحي