أما ثابت بن قيس بن شمّاس ، خطيب الأنصار « 1 » ، فقد اتهم نفسه واعتبر أنه من أهل النار وقعد في بيته حزينا ، ولكن الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم افتقده ، فسأل عنه وعرف أمره ، فطمأنه وأخبره أنه من أهل الجنة .
هؤلاء الصحابة الكرام - وهم خير القرون - رباهم الإسلام هذه التربية الفذة ، نقلهم وأدخل الإيمان عليهم من جميع المنافذ ، سكب معانيه في نفوسهم ، فظهرت شاهدة شاهرة شاخصة ، سلوكا رفيعا يعبر عن المعاني الإسلامية . وهذا واضح في الأسلوب القرآني وطريقة تعبيره ومنهجه التربوي الفريد ، الذي به ربى الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم هؤلاء الأصحاب ، نساء ورجالا وأطفالا .
وكثيرا ما نجد القرآن الكريم يقارن ويقابل ويواجه حالات هذا المستوى أمام ما تؤدي إليه مباعدة منهجه ومصير الضلال الذي ينتظر أهله من الخسران في الدنيا والآخرة ، مجلّلا بالخزي والعذاب في نار جهنم ، بشكل يكون التقابل متزاحما . فكلما ارتفع المؤمنون إلى مستوى التربية العجيب يظهر في الجانب الآخر المستوى المتدني التعيس البئيس ، لمن جافى شرع اللّه تعالى وجانب الأخذ به والبعد عنه مهما كانوا وبلغوا . ويجعل ذلك طبيعيا - وتلك سنة اللّه تعالى في الفلاح والخسران - مثلما مقابل خسارة الدارين للكفر - والعياذ باللّه - طبيعته الدنسة المركسة المفلسة ، بعيدة عن اللّه تعالى ، وهو غاية التردي والشقوة والمرارة . فإن الإيمان باللّه تعالى ودينه يأخذ أصحابه إلى قمة فريدة من الرقة والرقي والقرب من اللّه تعالى والأنس بشرعه في الدنيا
هامش
( 1 ) البخاري ، نفسه ، رقم ( 4565 ) . مسند الإمام أحمد ، ( 3 / 137 ) . سير أعلام النبلاء ، ( 1 / 309 ) . كان ثابت بن قيس من نجباء الصحابة ، شهد أحدا وبيعة الرضوان ، وكان جهير الصوت خطيبا بليغا . وهو الذي خطب مقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، فقال : نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ، فما لنا ؟ قال : الجنة ، قالوا : رضينا . سير أعلام النبلاء ، ( 1 / 309 ) . وكانت له مواقف في الرهافة ، ذكرتها مصادر ترجمته .