تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
نفوسهم ، نديا في وجدانهم ، وقدوتهم في ذلك كله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، الذين كانوا ملازمين له صلّى اللّه عليه وسلم ، باذلين غاية الجهد في كل شيء لتحري سيرته صلّى اللّه عليه وسلّم في كل الأمور ، ويأتون منها ما استطاعوا . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم في كل أمر يبدأ بنفسه ، ولا يميزها في الواجبات ، بل ويحمّلها أكثر ، في العبادة والقيادة بالأعمال والأعباء . والقصص كثيرة جدا إلى حدّ أنه توفي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يشبع آله من لحم وخبز ، وكان يمر الشهر والشهران وما يشعل في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نار . وحين لحق صلّى اللّه عليه وسلّم بالرفيق الأعلى كانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير ( أقل من مئة كيلو غرام ) « 1 » طعاما لأهله يأكلونه .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ، عن أنس بن مالك . انظر : السيرة النبوية ، الذهبي ، والسيرة النبوية ، أبو شهبة ، ( 2 / 652 ) . وتكمن في هذه الحادثة لفتة بارعة وناصعة وفذلكة رائعة ومعنى إضافي كريم . ذلك أن يهوديا يقرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كيسا من شعير ويرتهن مقابل ذلك درعه صلّى اللّه عليه وسلّم لديه ، ولا بد أن اليهودي هو الذي طالب به من الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم الذي يعرف صدقه وأمانته ونبوته ، وهو يفعل ذلك رغم ثقته المؤكدة بالإسلام ورسوله الكريم صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمين . فاقرأ قول اللّه تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : 146 ] . الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 20 ] . واليهود جميعا - وأهل الكتاب - يعرفون ذلك عن كثب ومن كتبهم وبالتجربة الواضحة المتكررة البديهية ، الذي منه أن اليهود لم يكونوا مضطهدين في المجتمع الإسلامي المدني ، بل لهم الأمن والحرية ، وهو أمر ممتد على مدار التاريخ الإسلامي . فإنه بكل حرية طلب هذا الرهان - ولا أدري تماما لأي سبب فعله - وممن ؟ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأعطيه ، كما أراده . وهذا كله يشير إلى نوعية الحياة التي كان يحياها هو وأمثاله وكل غير المسلمين في المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة ، رغم مواقف اليهود العدائية من الإسلام وأهله ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم . فأين الذين يولولون متخوفين ومحذرين من حكم الإسلام على غير المسلمين فيه . لكنهم لا يفعلون ذلك اهتماما - ولا حتى حمية - بغير المسلمين ( وما كان لهم ) وما عهدناه منهم ، بل عداوة للإسلام نفسه من خلال إثارة هذه الشبهات ، أحبولة من أحابيلهم - وهم معادنها - حربا لكل أمل إسلامي ولمسيراته وانتصاراته من أن تحوز الحياة وتوجهها وتقيم مجتمعه الفاضل الإنساني النبيل .